صناعة النشر في الوطن العربى (الماضى – الحاضر – المستقبل)

صناعة النشر:
يقاس تقدم ورقي الدول وشعوبها بتقدمها العلمي والتكنولوجي، وارتفاع مستوى دخل الفرد، وأيضًا بحجم ما تستهلكه من الورق؛ حيث يتمتع الفرد بمنتوج ثقافته وثقافة الآخرين من فكر وفن؛ فالثقافة هي العامل الرئيسـي في هذا التقدم والرقي.
ويعد الكتاب الوسيلة الأولى للثقافة والتعليم، بل الوعاء الجامع والشامل لكل مكونات الثقافة؛ لأنه يحمل في مكنونه فكر وإبداع الإنسان إلى أخيه الإنسان.
وهناك اتفاق على أن النشر يتضمن ثلاث حلقات، يشترك فيها أربعة أطراف على النحو التالي:
الحلقة الأولى: التأليف، وهو الذي يقوم به المؤلف المبدع، سواء كان مؤلِّفًا طبيعيًّا
أو معنويًّا، وهو المسئول عن المادة العلمية.
الحلقة الثانية: الطباعة أو (التصنيع)، التي تحوِّل المادة العلمية للمؤلف إلى كيان مادي قابل للتداول بين الناس في شكل نسخ متعددة.
الحلقة الثالثة: التوزيع، الذي يقوم به بائع الكتب أو الموَزِّع؛ والتي تهدف إلى توصيل النسخ المطبوعة إلى المستهلكين أو السوق المتاحة للكتاب، وهم: المكتبات والأفراد.
هذه الحلقات الثلاث تتكامل فيما بينها لتشكل ما يعرف بصناعة النشـر،
ولا يمكن لأي حلقة منها أن تكون قائمة بذاتها، مستقلة عن الحلقتين الأخريين، أن تسمى نشرا.
والأطراف الثلاثة: المؤلف – الطابع – الموزع لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا علاقة مباشرة تربط بينهم، ومن ثمّ دعت الضرورة إلى وجود طرف رابع يجمع بين هذه الأطراف الثلاثة، ويدير العلاقة بينهم وهو الناشر، الذي يحصل على العمل من المؤلف في مقابل مبلغ مادي يحصل عليه المؤلف، فضلًا عن الذيوع والانتشار لعمله، ثم يتولى الناشر تصميم وصَفّ وإخراج الكتاب، قبل أن يدفع به إلى المطبعة التي تحوله إلى نُسَخ مطبوعة، ويدفع لها الناشر التكاليف كافة، ثم يدفع به بعد ذلك إلى بائع الكتب أو الموزع؛ ومن ثم يحصل الناشر على ماله المستثمر وربحه بعد خصم نسبة ربح الموزع، وهذا ما يطلق عليه صناعة النشر.

الماضي وتطور صناعة النشر في الوطن العربي:
العصور القديمة
من المعروف أن صناعة النشر قديمة قدم الفكر الإنساني، ولما كانت بلادنا العربية – أيًّا كانت تسميتها عبر العصور – هي موطن الفكر والمعرفة، فقد ازدهرت صناعة النشر ازدهارًا كبيرًا في العصور القديمة في مختلف المناطق في مصر القديمة وفي العراق القديم وبلاد الشام وغيرها من دول المنطقة على النحو التالي:
أ – مصر القديمة:
لقد غطى الكتاب المصري القديم العلوم الدينية، وكان كتاب «الموتى» أشهر كتاب ديني في العالم القديم؛ حيث غطى العلوم الاجتماعية والإنسانيات، والعلوم الطبيعية والتطبيقية من رياضيات وفلك ونبات وكيمياء وغيرها، كذلك غطى الفنون بكافة أشكالها وفروعها.
وكان الكتاب المصري القديم يكتب وينشر على ورق البردي، ويوزع على نطاق واسع في مصر ودول حوض البحر الأبيض المتوسط، ولقد تمت صياغة الكتاب المصري بلغات عديدة: الهيروغليفية – الهيراطيقية – الديموطيقية – القبطية – السينمائية، فمصر هي أرض الكتابة الأبجدية.
ب- العراق القديم:
كانت صناعة النشر في زمن السومريين والأكاديين والبابليين والأشوريين قوية ومزدهرة لا تقل أهمية عن صناعة النشر في مصر القديمة؛ فقد غطى الكتاب العراقي القديم موضوعات الدين والعلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم ومعظم الموضوعات بأنواعها كافة، وقد اشتهر العراق القديم بكتب القانون خاصة وعلى رأسها قانون حمورابي، الذي اتُّخذ أساسًا للقانون الروماني الذي ساد في قوانين العالم.
وإذا كان الكتاب المصري القديم قد خُطَّ على ورق البردي – قصير العمر، فقد كتب الكتاب العراقي القديم على ألواح الطين – طويل العمر، وكانت الكتابة المسمارية هي الخط الذي كتب به الكتاب العراقي القديم. ومع أن النار كانت العدو الأول للكتاب المصري القديم، إلا أنها كانت الصديق للكتاب العراقي القديم، ولذلك وصلنا %90 مما كتبه العراقيون القدماء، بينما لم يصلنا إلا %1 فقط مما كتبه المصريون القدماء. ولقد انتشر الكتاب العراقي شرقًا وغربًا إلى بلاد فارس وبلاد الشام بل ومصر.
المسلمون وصناعة النشر:
عرف عن العرب في جاهليتهم أنه لم يكن لهم أدب ولا علم ولا فن مكتوب، بل كانت التواريخ والأخبار والحِكَم والأمثال والأشعار تنتقل بينهم شفاهة وعن طريق التواتر، إلَّا أنه في شمال الجزيرة العربية كان هناك شيئان مكتوبان هما: المعلقات ومكاتبات العبيد، وفي جنوبي الجزيرة العربية كانت هناك آلاف النقوش الحجرية المكتوبة. ولما جاء الإسلام كان أول كتاب مكتوب ومدون هو القرآن الكريم، ولم تُدَوَّن الأحاديث النبوية إلا مع نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) ومطلع القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
ولم تكن صناعة النشر في العصر الأموي ذات شأن؛ لأنه كان عصر جدب واضمحلال فكري.
ولقد بدأت صناعة النشر عند المسلمين (وكانت تعرف آنذاك بالوراقة) مع منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) مع ازدهار الدولة العباسية، وكانت أسس ازدهار هذه الصناعة التي استمرت على مدى خمسة قرون هي:
– التدوين: تدوين وكتابة الكتب والعلوم التي تنتقل شفاهة بين الناس.
– الترجمة: كانت الترجمة تسمى عند المسلمين النقل، والمترجم يقال له الناقل؛ حيث عنيت الدولة العباسية بترجمة الكتب اليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والمصرية القديمة والسريانية إلى اللغة العربية.
– التأليف: قام المؤلفون المسلمون بتمثل العلوم الأجنبية وامتصاصها والتأليف فيها، بجانب التأليف الأصيل في العلوم العربية والإسلامية؛ أي في علوم الدين واللغة والأدب والتاريخ وغيرها.
على هذه الأسس الثلاثة قامت صناعة النشر عند المسلمين (الوراقة)، وأصبح هناك مراكز للنشر في المدن الإسلامية المختلفة، وهي في نفس الوقت مراكز للتعليم والبحث العلمي، وانتشرت دور النشر في المدن الكبرى الإسلامية (حوانيت الوَرَّاقين)؛ ومما يدل على ازدهار صناعة النشر (الوراقة) أن ابن النديم (محمد بن إسحاق النديم) قد حصر في كتابه (الفهرست) نحو 8500 كتاب نشرت في القرون الأربعة الأولى للهجرة، كما حصر (حاجي خليفة) في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) نحو 20000 عنوان في مختلف فروع المعرفة حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي).
لقد قدر عدد المجلدات التي نشرت في الفترة بين القرن الثاني الهجري والثالث عشر الهجري (عصر الخطاطة والوراقة الإسلامية) بنحو خمسين مليون نسخة، إلا أنه لم يصلنا منها إلا نحو خمسة ملايين فقط؛ حيث أهلكت عوامل عديدة الجزء الأكبر مما نشره الوراقون المسلمون في العصر الإسلامي.
لقد كان اجتياح المغول والتتار، لشرقي العالم الإسلامي وسقوط بغداد سنة 656 هجرية (1258 ميلادية) هو بداية النهاية لصناعة النشر عند المسلمين.
لقد كان المخطوط الإسلامي هو أطول مخطوطات العالم عمرًا؛ حيث امتد به العمر نحو اثني عشر قرنًا، تأرجحت فيها صناعة النشر الإسلامية (الوراقة) بين ازدهار وانحسار؛ حتى دخلت الطباعة إلى الوطن العربي، وخرج منها صناعة النشر الحديث.
اختراع الطباعة:
اخترعت الطباعة بالحروف المتحركة في أوروبا سواء على يد لورنزو كوستر الهولندي في مدينة هارلم أو على يد يوحنا جوتنبرج في مدينة ماينز، وذلك مع منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ولئن كانت الطباعة العربية قد شقت طريقها إلى الوجود في أوروبا مع عام 1214م (كتاب صلاة السواعي)، 1530م (القرآن الكريم)، إلا أنها لم تدخل إلى المنطقة العربية إلا بعد ثلاثة قرون على الأقل من انتشارها
في أوروبا.
ومن المعروف أن قواعد ومفاهيم النشر في أوروبا لم تحدد إلا بعد قرنين أو ثلاثة من ظهور الطباعة، الحدود بين: المؤلف – الطابع – الموزع والناشر، إلا أنه في عالمنا العربي لم تحدد حتى الآن؛ حيث لا يوجد إلا قلة قليلة من الناشرين بالمعنى الخالص. أما الغالبية العظمى فهم ناشرون بالمعنى المختلط، بل إن من الناشرين من يتاجر في القرطاسية والأدوات الكتابية ولعب الأطفال بجانب الطبع والنشر والتوزيع.
تطور صناعة النشر الحديثة في الوطن العربي:
1- صناعة النشر التبشيرية في بلاد الشام
دخلت الطباعة العربية أول ما دخلت إلى سوريا ولبنان على يد البعثات التبشيرية المسيحية على يد طائفة الملكانين، وكانت أول مطبعة قد أقيمت في حلب في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي؛ حيث طبعت كتبًا دينية مثل كتاب المزامير (كتاب الزابور الشريف) عام 1706م، وكتاب الإنجيل الشريف عام 1706م وغيرها من الكتب الدينية.
وفي جبل شوير بلبنان أقيمت مطبعة تبشيرية عربية في عام 1733م، وطبعت كتبًا دينية أهمها عدد 15 طبعة من (مزامير داود).
2- صناعة النشر في مصر
دخلت الطباعة في مصر في العصر المملوكي ولكن بالكتل الخشبية. أما الحروف المتحركة كانت مع الحملة الفرنسية عام 1798م، والتي جاءت إلى مصـر مصطحبة مطبعتين: إحداهما المطبعة الرسمية للحملة الفرنسية؛ حيث تطبع بالحروف العربية والتركية والفارسية واليونانية واللغات الأوروبية الأخرى، والمطبعة الثانية كانت مطبعة خاصة هي مطبعة مارك أوريل، والذي باعها إلى الحملة الفرنسية، وتم دمجها مع المطبعة الرسمية باسم المطبعة الأهلية، وكانت تضم قسمًا للطبع العربي وآخر للطبع الفرنسـي، ولم تدم هذه المطبعة كثيرًا وخرجت مع الحملة الفرنسية في مصـر
عام 1801م.
أما الطباعة العربية الدائمة في مصر فقد بدأت على يد محمد علي بإنشاء مطبعة بولاق عام 1820م. ولقد نشرت خلال عشرين سنة من عمرها العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة باللغة العربية والتركية، ونشرت الفكر العلمي والتكنولوجي الأوروبي في العالم الإسلامي. ولقد ظلت مطبعة بولاق طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر هي الناشر الأساسي ليس في مصر وحدها، وإنما في كل المنطقة العربية، بل كانت تطبع أيضًا لحساب الأفراد سواء من المؤلفين أو الناشرين.
ثم أخذ نجم «مطبعة بولاق» في الأفول بعد وفاة محمد علي حتى الاحتلال البريطاني، ثم استأنفت نشاطها مع عام 1884م ليصبح اسمها «المطابع الأميرية»، وانتشر الكتاب المصري في كل ربوع الوطن العربي وخارجه فوصل إلى شرق جنوب آسيا مثل إندونيسيا وغربا إلى إفريقيا. ولقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تذبذبًا شديدًا في صناعة النشر؛ من حيث عدد الناشرين وفئاتهم وتوجهاتهم، وبلغ عدد العناوين 168 عنوانا؛ أي بمتوسط 36 عنوانا في السنة الواحدة.
وفي الفترة (1950م – 1902م) بلغ عدد الكتب المنشورة بمتوسط 500 عنوان سنويًّا، ثم زاد بعد ثورة يوليو 1952م تدريجيًّا حتى وصل حاليّا ما بين (10000 – 12000) عنوان.
ولقد كانت مصر تصدر ثلثي الكتب المنشورة في الوطن العربي حتى نهاية الستينيات، ثم انخفض العدد إلى النصف، وصارت الآن تنتج نحو ثلث ما ينتج في العالم العربي.
3- صناعة النشر في سوريا ولبنان
بعد ظهور المطابع التبشيرية في سوريا ولبنان، بدأت المطابع الناشرة تظهر واحدة بعد أخرى، فأنشئت في لبنان مطبعة لحساب طائفة الملكانين ونشـرت كتاب المزامير عام 1761م، ثم أنشئت مطبعة بيروت وطبعت العهد الجديد سنة 1860م، ثم أقيمت مطبعة على يد الجزويت سنة 1848م، ثم توالى إنشاء المطابع في لبنان، وأصبح لبنان ثاني مركز للنشر في العالم العربي بعد مصر.
أما في سوريا فقد تأسست ثاني مطبعة في حلب عام 1841م، ونشـرت ديوان
ابن الفارض، ثم أقيمت مطبعة في دمشق عام 1855م، ثم توالى إنشاء المطابع يصاحبها إنشاء دور للنشـر؛ أصبحت سوريا من المراكز الأساسية في صناعة النشـر في
الوطن العربي.
4- صناعة النشر في العراق
لا يعرف التاريخ المحدد لدخول الطباعة بالحروف المتحركة في العراق إلا أنه قد صدر «جورنال الفرات» عام 1816م، وهو طبع حجر، وإن كان أول مطبعة بالحروف المتحركة أقامها الدومنيكان في الموصل سنة 1856م، ولقد أسس الوالي مدحت باشا أول مطبعة رسمية سنة 1869م، وكانت تنشـر الجريدة الرسمية، بجانب
الطبع للأفراد.
والملاحظ أن صناعة النشر في العراق كانت بطيئة حتى الحرب العالمية الثانية، ثم تغير الحال في النصف الثاني من القرن العشرين وزادت المطابع ودور النشر، وأصبح العراق يمثل مركز النشر الثالث في العالم العربي، بيد أن حرب إيران – العراق، ثم العراق – الكويت ثم العراق – التحالف الدولي واحتلال العراق عام 2003م، دمر إلى جانب ما دمر صناعة النشر في العراق.
5- صناعة النشر في فلسطين والأردن
كانت أول مطبعة تدخل إلى فلسطين هي مطبعة الفرنسيسكان التي أسست عام 1864م، وفي الأردن دخلت أول مطبعة سنة 1909م، ثم في عام 1926م أنشئت المطبعة الوطنية، ثم مطبعة الاستقلال العربي عام 1932م. وفي النصف الثاني من القرن العشرين تم التوسع في إنشاء المطابع ودور النشر، خاصة في الأردن الذي أصبح يمثل ركيزة أساسية في صناعة النشر في عالمنا العربي خاصة الكتاب الأكاديمي؛ بينما الوضع في فلسطين يختلف لظروف الاحتلال الإسرائيلي؛ فعدد دور النشـر سواء في غزة
أو الضفة الغربية يعدّ متواضعًا؛ بسبب الاعتماد على الكتاب العربي خاصة الأردني.
6- صناعة النشر في الجزيرة العربية
دخلت الطباعة أول ما دخلت إلى بلاد اليمن سنة 1877م، وذلك لطباعة الجريدة الأسبوعية للحكومة التركية، وفي السعودية أدخلت الحكومة التركية أول مطبعة في الحجاز عام 1882م، ثم أسست في مكة مطبعة القبلة عام 1919م، ثم تغير اسمها إلى مطبعة أم القرى، وفي نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين أرسلت الحكومة السعودية عددا من السعوديين للتدريب على أعمال الطباعة في المطابع الأميرية بمصـر، وبعد عودتهم عملوا في مطبعة مكة التي كانت أهم مطبعة في البلاد.
وبعد الحرب العالمية الثانية تزايد عدد المطابع في المملكة العربية السعودية، وظهر معها العديد من دور النشر، وتتبع ذلك نهضة نشرية كبرى، وأصبحت السعودية من أهم مراكز النشر والتوزيع للكتاب العربي والأجنبي.

صناعة النشر في دولة الإمارات العربية المتحدة:
من المعروف أنه قبل قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في 1971م لم تكن صناعة النشر معروفة بالمعنى الحقيقي، ويكفي أن يقال إن عدد الكتب المنشورة في عام 1969م خمسة كتب، لكن مع قيام الاتحاد والنهضة التي أحدثها مؤسس دولة الإمارات المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان، اهتمت الدولة بالتعليم والثقافة وأنفقت عليه الكثير؛ تأسس المجمع الثقافي في أبو ظبي مع بدايات قيام الاتحاد وأصبح من أهم الجهات التي تنشر العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة، وأيضًا تحويل الكتب التراثية والشعر إلى الشكل الرقمي على شبكة الإنترنت، بجانب تأسيس «دار الكتب الوطنية» التي لديها إصدارات كثيرة من الدوريات والكتب وتغير المسمى ليصبح «هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة» التي توسعت في المشروعات الثقافية، ومنها مشروع «كلمة» الذي اختص بترجمة أهم الإصدارات العالمية إلى اللغة العربية.
الأمر الذي شجع في البداية مؤسسات خاصة مثل «مؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر» أن تنشر العديد من الدوريات اليومية والأسبوعية بجانب نشر الكتب. وفي عام 1980م أُسِّسَ «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية» وتوالت إصداراته من البحوث والدراسات والكتب، ويعتبر من أهم مراكز النشر في دولة الإمارات.
ومع اهتمام الدولة تأسس العديد من مراكز النشر الرسمية في كل إمارة من الإمارات السبع التي يتألف منها الاتحاد، كما ظهر العديد من دور النشر الخاصة، بجانب إنشاء العديد من المطابع الكبيرة المزودة بأحدث التقنيات. واهتمت الدولة برعاية الكتّاب والمفكرين، وأنشأت العديد من المشروعات الثقافية، ومنها مشروعات الترجمة التي توسعت بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة.
ولقد تبنت الدولة منذ بداية قيامها إقامة المعارض المتخصصة للكتب مثل معرض أبو ظبي للكتاب، ومعرض الشارقة للكتاب، ومع تزايد تقدم صناعة النشر في دولة الإمارات، تأسست جمعية الناشرين الإماراتيين، وأصبحت هذه الصناعة من الصناعات الهامة؛ حيث بلغ المتوسط السنوي للكتب المنشورة سنويًّا ما يقرب من 2000 عنوان تقريبًا بعدما كانت خمسة كتب في عام 1969م.
صناعة النشر في دولة قطر:
أما في قطر فلم تكن المقومات الحقيقية لنمو وتطور حركة الطباعة والنشـر موجودة؛ حيث كان التعليم في بداياته الأولى وعدد القراء محدودًا، إلا أن شَغف الشيخ علي بن عبد الله آل ثان (1941م – 1960م) وابن أخيه الشيخ خليفة بن حمد بالكتب والثقافة، دفعهما إلى رعاية حركة نشر الكتب على نفقتهما الخاصة وطباعتها خارج البلاد وتوزيعها بالمجان. وكان عدد الكتب المنشورة في قطر مع خمسينيات القرن العشـرين حوالي عشرة كتب، وأول كتاب طبع في قطر كان عام 1955م. ومع توسع التعليم وإنشاء جامعة قطر والنمو الاقتصادي ازدهرت حركة النشـر والطباعة في قطر، وارتفع عدد الكتب المطبوعة والمنشورة إلى حوالي 1500عنوان.
7- صناعة النشر في دول الشمال الإفريقي العربي
في تونس تأسست أول مطبعة حجر عام 1840م، واستخدمت في طباعة الأوراق الرسمية إلى جانب الكتب، وكان أول كتاب طبع باللغة العربية سنة 1849م (أمسيات قرطاج). أما مطبعة الحكومة التونسية فقد تأسست عام 1860م. وفي الجزائر دخلت الطباعة لأول مرة سنة 1832م؛ حيث طبعت جريدة (المراقب الجزائري) وبعض كتب التراث. وفي المغرب تأسست أول مطبعة في مدينة فاس وطبعت بها كتب دينية وأدبية وتاريخية في عهد محمد الرابع (1859م – 1873م) بالبنط المغربي المعروف.

الحاضر في صناعة النشر في الوطن العربي:
إن المتأمل في مسيرة صناعة النشر في الوطن العربي، يجد أنها لا تتخذ خطًّا صاعدًا، بل يتأرجح بين صعود وهبوط، وأن الصناعة في عالمنا مازالت في بداياتها، مقارنة بالعالم الغربي؛ لذا فإن صناعة النشر تعاني العديد من المشكلات التي تعوق تقدمها، وإذا تضافرت الجهود من مسئولين ومؤلفين وناشرين فيمكن أن تنمو وتتقدم؛ فصناعة النشر في الوقت الحاضر يواجهها الكثير من المعوقات والمشاكل. من أهمها:
1- ضعف الاهتمام بتنمية عادة القراءة لدى الأفراد منذ الصغر.
2- ارتفاع نسبة الأميّة ، والتي تقلل من الكميات المطبوعة.
3- عزوف المتعلمين والمثقفين عن القراءة.
4- تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها.
5- اقتصار أكثر المثقفين على القراءة المتخصصة، بل الأحادية حسب التوجه الفكري.
6- تفشي ظاهرة التزوير بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر.
7- الارتفاع المستمرّ في معدل الضرائب على نشاط دور النشـر، والتي تصل إلى نسب مرتفعة بخلاف الرسوم الأخرى، واعتباره مثل أي نشاطٍ تجاري
لا يتضمن رسالة للمجتمع.
8- الارتفاع المستمر في حجم الضرائب والرسوم الجمركية على مستلزمات إنتاج الكتاب، ولا فضلًا عن ضريبة المبيعات.
9- الارتفاع المستمر في أسعار الدعاية والإعلان بوسائل الإعلام.
10- الارتفاع المستمر في تكاليف الشحن، وعدم وجود خطوطٍ منتظمةٍ.
11- تراجع إنشاء المكتبات التجارية لارتفاع تكلفة الاستثمار.
12- قلّة المكتبات العامة مقارنة بعدد السكان.
13- تواضع وتراجع الميزانيات المخصصة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية.
14- عدم إتاحة الفرصة أمام المؤلف والناشر في نشر وطبع الكتاب المدرسي، والذي يمثّل الركيزة الأساسية في النهوض بصناعة النشر، كما هو معمول به في البلدان المتقدمة.
15- عدم الدراية الكاملة لدى الفرد وأجهزة الدولة المنوط بها حماية الملكية، في مدى خطورة الاعتداء على الملكية الفكرية، وأنها تمثل قتلًا للإبداع والفكر وضياعًا للحقوق بين الأفراد.
16- نشر الكتب المدرسية الرسمية لا يفيد سوق النشر العام.
17- أخرجت ثورات الربيع العربي: العراق – سوريا – اليمن – ليبيا – تونس من سوق الكتاب العربي، وأثرت بشكل كبير في تراجع صناعة النشـر في العالم العربي.
18- لا يزال الناشر بالمعنى غير النقي (ينشر ويطبع ويوزع) هو الصيغة العامة لصناعة النشر في الوطن العربي، أما الناشر النقي الخالص فقليل.
19- لا تزال القواعد والمفاهيم المهنية لصناعة النشر في عالمنا العربي غير واضحة بين أطراف الصناعة، وهي: المؤلف – الناشر – الطابع – الموزع.
وعلى الرغم من تلك المعوقات إلَّا أن هناك بعض الظواهر الإيجابية في حاضر صناعة النشر ومنها:
1- يوجد في الوطن العربي ما يقرب من 1000 ناشر يعملون بالفعل وبصفة دائمة في صناعة النشر، وينتجون سنويًّا العديد من الكتب، وبجانبهم عدد لا يقل عن 1000 ناشر آخر يعملون بشكل متقطع وحسب الظروف والمناسبات.
2- أن عدد العناوين المنشورة في الوطن العربي يصل إلى نحو 35 ألف عنوان، %70 منها كتب ثقافة عامة وكتب جامعية، %25 كتب مدرسية مقررة على طلاب المدارس، %5 كتب أطفال.
أما من حيث عدد النسخ الصادرة عن هذه العناوين، فيصل سنويّا إلى
ما يقرب من 450 مليون نسخة، وأغلبها كتب مدرسية.
3- يصل حجم الاستثمار في صناعة النشر في الوطن العربي إلى ما يقرب من خمسة مليارات دولار، وأغلبها من الكتب المدرسية والجامعية.
4- تأسيس العديد من المكتبات العامة (مكتبات الشعب مجانًا) وبعض المشروعات الثقافية التي أسهمت في ترسيخ عادة القراءة من الصغر لدى الأطفال والناشئة.
5- ظهور جيل جديد من الشباب مقبل على القراءة وخاصة الأعمال الأدبية.
6- تأسيس بعض سلاسل المكتبات التجارية بشكل جديد يختلف عن الشكل التقليدي للمكتبات التجارية، وأصبحت هذه السلاسل ملتقى للشباب والمثقفين للاطلاع على أحدث الكتب.
7- ظهور منافذ بيع غير تقليدية في الأسواق التجارية مثل (الهيبرات وفيرﭼﻦ.. وخلافها).
8- استخدام الشباب لشبكات الإنترنت والمنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي التي أسهمت في إقبالهم على القراءة.
9- إنشاء مواقع إلكترونية عديدة خلال السنوات الخمس الأخيرة للبيع من خلال شبكات الإنترنت.
10- ازدياد المواقع والجرائد الإلكترونية التي يمكن من خلالها دون أي تكلفة الترويج والتسويق لأي كتاب جديد.
11- إقامة حفلات التوقيع والندوات الثقافية للكتب في المكتبات ودور النشر.
12- ظهور العديد من الجواتر المحلية والعربية التي تسهم بشكل كبير في زيادة حركة توزيع الكتب الفائزة.
مستقبل صناعة النشر في الوطن العربي:
كما ذكرنا فإن صناعة النشر في الوطن العربي مازالت في بداياتها مقارنة بالعالم الغربي، ومن واجبنا كمنتسبين لهذه الصناعة، ألا نقسو على أنفسنا، فالأمل في المستقبل – إذا تضافرت الجهود الرسمية بجانب الناشرين والمؤلفين في حل معظم المشكلات التي تواجه الصناعة في الوقت الحاضر – أن تنمو صناعة النشر وتزدهر في الوطن العربي.
وأيضًا ما نشاهده اليوم من اهتمام معظم الحكومات العربية بالعملية التعليمية والثقافية من خلال المشروعات التي ينفق عليها الكثير من الميزانيات لصالح المواطن العربي، وخاصة مع زيادة عدد المتعلمين سواء قبل الجامعي أو بعد الجامعي والمراكز والمؤسسات الثقافية المتاحة للمواطن دون مقابل، فضلًا عن اهتمام بعض الحكومات بالمكتبات العامة والمدرسية والجامعية والمتخصصة كل ذلك يدعونا للتفاؤل في المستقبل، وخاصة أن صناعة النشر تطورت تطورًا كبيرًا في الدول المتقدمة، ونحن لسنا ببعيدين عنها، وأن النشر أصبح هو نشر المحتوى أيًّا كان وبأي وسيلة من الوسائل المعروفة أو المستحدثة أو التي ستظهر في المستقبل ومنها النشر الإلكتروني والتسويق الإلكتروني للكتاب.
النشر الإلكتروني:
لا شك أن النشر الإلكتروني هو التطور الحقيقي لصناعة النشر، والذي ظهر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مع ظهور الإنترنت وتطور أجهزة الكمبيوتر بشكل كبير وفعال وتواجدها في الجامعات والمؤسسات والمنازل، وظهور «الديجتال ميديا» وهو توظيف النص والصورة والصوت بشكل يتفاعل فيه القارئ مع الكتاب.
وإن كانت صناعة النشر الورقي في العالم العربي، قد بدأت بعد ما يقرب من أربعة قرون تقريبًا في العالم الغربي، إلا أنه سنجد أن النشر الإلكتروني قد ظهر في العالم العربي بعد فترة قصيرة خلال ما يقرب من عقدين من الزمان من ظهوره في العالم الغربي، عن طريق موقع أمازون في نهاية عام 1994م، وكان موقع أمازون قد بدأ في تسويق وبيع الكتب المطبوعة ثم تطور بعد ذلك لبيع الكتب إلكترونيا من خلال الموقع.
التسويق الإلكتروني للكتاب ورقيًّا وإلكترونيًّا:
يعد التسويق الإلكتروني من أهم وسائل تسويق الكتاب في الوقت الحاضر، حيث تطور التسويق الإلكتروني للكتاب المطبوع ورقيًّا أو إلكترونيًّا في السنوات الخمس الماضية نتيجة للثورة التكنولوجية والمعلوماتية وأصبح العائد من التسويق الإلكتروني في بعض الأحيان أفضل بكثير من التسويق التقليدي للكتاب، لأنه يركز على العلاقة المباشرة بين المنتج والمستهلك.
ويعتمد التسويق الإلكتروني على شبكة الإنترنت عن طريق الوسائل التالية: الإيميل – المواقع الإلكترونية – شبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك – يوتيوب – تويتر) وغيرها من الوسائل الحديثة.
مما سبق يتضح أن صناعة النشر في العالم العربي قد تطورت بظهور النشر الإلكتروني، وأن المستقبل له بجانب الكتاب المطبوع ورقيًّا؛ فعلى الرغم من هذا التطور والتقدم للنشر الإلكتروني إلا أن الكتاب الورقي مازال حاضرًا بقوة؛ حيث ترتفع معدلات النسخ المطبوعة منه في كل عام، ذلك لترسيخ عادة القراءة لدى المواطن الغربي ولتحسين استخدامه للنشر الإلكتروني.
وفي عالمنا العربي فالأمل يحدونا جميعًا كناشرين العرب بأن نأخذ بكل الوسائل الحديثة المتطورة في صناعة النشر، فبقدر تعاملنا مع الكتاب المطبوع ورقيًّا، علينا أن نسارع في الدخول في صناعة النشر الإلكتروني، لأن الظروف مهيأة لانتشار وزيادة نسبته في المستقبل، كما أن الأمل يحدونا كمواطنين أن تعمل حكوماتنا على تذليل الصعاب التي تواجه صناعة النشر، والإنفاق بسخاء على الثقافة والتعليم اللذين يمثلان الركائز الأساسية في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن ينهض العالم العربي من خلال المعرفة والاستفادة من الانفجار المعرفي للمعلومات.

الناشر
محمد رشاد
رئيس مجلس إدارتي
الدار المصرية اللبنانية
ومكتبة الدار العربية للكتاب
رئيس اتحاد الناشرين المصريين السابق