أخبار ومعارض

MRashadدور اتحاد الناشرين العرب للنهوض بصناعة النشر فى الوطن العربي

دور اتحاد الناشرين العرب
للنهوض بصناعة النشر
في الوطن العربي

أولًا: بدايات صناعة النشر في الوطن العربي
العصر القديم:
إن صناعة النشر قديمة قدم الفكر الإنساني، ولما كانت بلادنا العربية – أيّا كانت تسميتها عبر العصور – هي موطن الفكر والمعرفة، فقد ازدهرت صناعة النشر ازدهارًا كبيرًا في العصور القديمة في مختلف المناطق في مصر القديمة وفي العراق القديم وبلاد الشام وغيرها في دول المنطقة.
العصر الجاهلي:
وفي العصر الجاهلي لم يكن للعرب أدب أو علم أو فن مكتوب، بل كانت التواريخ والأخبار والحكم والأمثال تنتقل بينهم شفاهة وعن طريق التواتر، إلا أنه في شمال الجزيرة العربية كان هناك شيئان مكتوبان هما: المعلقات ومكاتبات العبيد، وفي جنوبي الجزيرة العربية كانت هناك آلاف النقوش الحجرية المكتوبة.
العصر الإسلامي:
ولما جاء الإسلام كان أول كتاب مكتوب ومدون هو القرآن الكريم ولم تدون الأحاديث النبوية إلا مع نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، ومطلع القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وفي العصر الأموي لم تكن صناعة النشر ذات شأن.
أما في العصر العباسي فقد بدأت صناعة النشر (وكانت تعرف آنذاك بالوراقة) مع منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، وازدهرت صناعة النشر على مدى خمسة قرون نتيجة:
1- التدوين: تدوين وكتابة الكتب والعلوم التي تنتقل شفاهة بين الناس.
2- الترجمة: والتي كانت تسمى النقل والمترجم يسمى الناقل حيث عنيت الدولة العباسية بترجمة الكتب اليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والمصرية القديمة والسريانية إلى اللغة العربية.
3- التأليف: قام المؤلفون المسلمون بتمثل العلوم الأجنبية وامتصاصها والتأليف فيها، بجانب التأليف الأصيل في العلوم العربية والإسلامية.
وعلى هذه الأسس الثلاثة قامت وازدهرت صناعة النشر عند المسلمين، وأصبح هناك مراكز للنشر في المدن الإسلامية المختلفة وانتشرت دور النشر في المدن الكبرى، ومما يدل على ازدهار صناعة النشر عند المسلمين، وقد حصر ابن النديم في كتابه (الفهرست) نحو 8500 كتاب نشر في القرون الأربعة الأولى للهجرة وأيضًا حصر حاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» نحو 20000 عنوان في مختلف فروع المعرفة حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي).
العصر الحديث:
اخترعت الطباعة على يد يوحنا جوتنبرج في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي (1440م)، إلا أنها لم تدخل إلى المنطقة العربية إلا بعد ثلاثة قرون على الأقل من انتشارها في أوروبا، وكانت أول مطبعة في الوطن العربي في حلب عام 1706م، ثم في جبل شوير بلبنان عام 1733م.
ومع دخول الحملة الفرنسية إلى مصر، عام 1798م أنشئت المطبعة الرسمية للحملة الفرنسية والتي أدمجت مع مطبعة خاصة، وأصبحت المطبعة الأهلية، ثم أنشئت مطبعة بولاق عام 1820م على يد محمد علي، والتي نشرت العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة باللغة العربية والتركية، وفي عام 1884م أصبحت باسم المطابع الأميرية.
وانتشر الكتاب المصري في كل ربوع الوطن العربي وخارجه، حيث وصل إلى شرق جنوب آسيا مثل إندونيسيا وغربا إلى إفريقيا، ولقد كانت مصر تصدر ثلثي الكتب المنشورة في الوطن العربي حتى نهاية الستينيات، وصار الآن ثلث ما ينتج في العالم العربي.
ومع مرور الأعوام تقدمت صناعة النشر في معظم البلدان العربية، وإن اختلفت بداية نشأتها، فهناك بلدان بدأت منذ ما يقرب من مائتين عام وأخرى منذ خمسين عامًا.
وانتشرت دور النشر الحكومية والخاصة على مستوى الوطن العربي، وإن كان عدد العناوين التي تصدر قليلة لا تتناسب مع عدد سكان الوطن العربي، مقارنة بالدول المتقدمة، وأيضًا الكميات التي تطبع من كل عنوان ضعيفة جدّا.
فالعالم العربي ينشر سنويّا ما يقرب من 30000 إلى 40000 عنوان، والكميات التي تطبع من الكتب سنويّا ما يقرب من خمسمائة مليون كتاب، وأغلبها كتب مدرسية.
ثانيا: نشأة اتحاد الناشرين العرب
تأسس اتحاد الناشرين العرب بقرار من جامعة الدول العربية رقم د. ع. (37) بتاريخ
1969 / 4/ 4م، بناء على توصيات اللجنة الثقافية الدائمة، ليعمل الاتحاد تحت مظلة جامعة الدول العربية وهو اتحاد عربي مهني غير ربحي، يتكون أعضاؤه من اتحادات النشر المحلية من كل بلد عربي.
ولأسباب غير معروفة لم يُفعّل الاتحاد، ثم جرت محاولة لإحيائه في ليبيا عام 1985م، وأيضًا لم يُفعّل. وفي عام 1995م، اتفق عدد من أعضاء الاتحادات المحلية العربية من البلدان العربية تتمثل في مصر ولبنان وسوريا والأردن والسودان والمغرب على ضرورة تفعيل دور اتحاد الناشرين العرب، لمجابهة المشاكل التي بدأت تطرأ على صناعة النشر في العالم العربي، وخاصة مشكلة التعدي على حقوق الملكية الفكرية (التزوير)، وبذل الجميع جهدًا كبيرًا في إحياء الاتحاد، وذلك بتعديل القانون الأساسي، والقيام بجولات ميدانية في معظم البلدان العربية للتعريف بدور وأهمية الاتحاد في النهوض بصناعة النشر في الوطن العربي. ولقد كان عدد الاتحادات المحلية في عام 1995م ستة اتحادات، وأصبح عددها الآن خمسة عشر اتحادًا، ويضم الاتحاد أكثر من ستمائة ناشر عربي من مختلف الدول العربية.

ومن أهم أهداف اتحاد الناشرين العرب:
1- العمل على رفع مستوى مهنة النشر، ووضع مثياق شرف يلتزم به الناشرون العرب.
2- توطيد العلاقات والعمل المشترك بين الناشرين العرب.
3- تنمية الوعي الثقافي من خلال ترويج الكتاب.
4- توطيد الصلة بالمنظمات والاتحادات الإقليمية والدولية في مجال مهنة النشر.
5- الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين والناشرين العرب.
6- العمل على رعاية حقوق الناشرين وحماية مصالحهم في حرية النشر.
7- تذليل الصعاب التي تواجه الكتاب العربي وتُحد من تداوله بين الدول العربية.
8- تذليل قيود الرقابة والتصدير وتخفيض الرسوم الجمركية وأجور النقل.
وهناك العديد من أهداف الاتحاد التي يلتزم بها الناشرون العرب أعضاء الاتحاد، ويعملون على تحقيقها في ظل الصعاب التي تواجه صناعة النشر، خاصة في الآونة الأخيرة، كي ينهضوا بهذه المهنة الجليلة في مواجهة المشكلات المتراكمة والمتزايدة.
ثالثًا: التحديات التي تواجه صناعة النشر في الوطن العربي
إن المتأمل في مسيرة صناعة النشر في الوطن العربي، يجد أنها لا تتخذ خطّا صاعدًا، بل يتأرجح بين صعود وهبوط، خاصة وأن هذه الصناعة في عالمنا العربي مازالت في بداياتها.
لذا، فإن صناعة النشر تعاني العديد من المشكلات التي تعوق تقدمها، ومن هذه المشكلات:
1- ضعف الاهتمام بتنمية عادة القراءة لدى الأفراد منذ الصغر.
2- ارتفاع نسبة الأمية، والتي تقلل من الكميات المطبوعة.
3- عزوف المتعلمين والمثقفين عن القراءة.
4- تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها في البلدان العربية.
5- اقتصار أكثر المثقفين على القراءة المتخصصة، بل الأحادية حسب التوجه الفكري.
6- تفشي ظاهرة التزوير بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر.
7- الارتفاع المستمر في معدل الضرائب والرسوم الجمركية على نشاط دور النشر.
8- الارتفاع المستمر في أسعار الدعاية والإعلان بوسائل الإعلام.
9- الارتفاع المستمر في تكاليف الشحن.
10- قلة المكتبات العامة مقارنة بعدد السكان.
11- تراجع إنشاء المكتبات التجارية (منافذ البيع) لارتفاع تكلفة الاستثمار.
12- تواضع وتراجع الميزانيات المخصصة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية والعامة والمراكز الثقافية.
13- عدم إتاحة الفرصة أمام المؤلف والناشر في نشر وطبع الكتب المدرسية، والذي يمثل الركيزة الأساسية في النهوض بصناعة النشر كما هو معمول به في البلدان المتقدمة.
14- عدم وجود ثقافة عامة لدى المواطن العربي في احترام وحماية الملكية الفكرية.
15- عدم الدراية الكاملة لدى أجهزة الحكومات العربية المنوط بها حماية الملكية الفكرية، ومدى الخطورة من الاعتداء على حق المؤلف والناشر.
16- لا تزال القواعد والمفاهيم المهنية لصناعة النشر في عالمنا العربي غير واضحة بين أطراف الصناعة وهي: المؤلف – الناشر – الطابع – الموزع.
17- أخرجت ثورات الربيع العربي: (العراق – ليبيا – اليمن – سوريا – تونس) من سوق الكتاب العربي، وأثّرت بشكل ملحوظ في تراجع صناعة النشر في العالم العربي.
18- لا يزال الناشر العربي ينشر ويطبع ويوزع بنفسه، وهذا غير المعمول به في الدول المتقدمة، فالناشر هناك يقوم بعملية النشر فقط.

رابعًا: دور اتحاد الناشرين العرب في مواجهة هذه التحديات
إن التحديات التي تواجه صناعة النشر في الوطن العربي كثيرة ومتشعبة وليس من سبيل لمواجهة هذه التحديات إلا بالتعاون بين الناشرين واتحادهم، وتعاون الحكومات العربية مع اتحاد الناشرين العرب للتغلب على هذه التحديات، لأن غالبية المشكلات هي ذات المشكلات التي تعاني منها كل بلد عربي، مع ضرورة إدراك الحكومات العربية بأنها إذا كانت تنشد النمو والتقدم لأبنائها، فلا بد أن تعي بأنه لا يمكن لأي خطط تنموية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أن تكلل بالنجاح وتوفر الحياة الكريمة لأبنائها إلَّا إذا أولت اهتمامها للجانب الثقافي الذي يؤهل المواطن علميًّا وثقافيًّا ليتقبل كل هذه الخطط، والتي يصاحبها غالبًا قرارات مؤلمة للمواطن؛ فالإنفاق والاستثمار في المجال الثقافي وتذليل العقبات كافة سوف يعود على المجتمعات العربية بفوائد عديدة؛ فمعظم المشكلات حلها بيد الحكومات العربية وبالتعاون مع اتحاد الناشرين العرب وعلى سبيل المثال:
1 – تراجع عادة القراءة لدى أبناء الوطن العربي: والحل أن تقوم الحكومات بوضع مشروعات لها آليات محددة لتشجيع وتحفيز الأطفال والتلاميذ والنشء عمومًا على القراءة منذ الصغر لتصبح عادة أصيلة مترسخة لدى أبنائها من خلال الاهتمام بحصة المطالعة بالمدارس، وإجراء المسابقات في القراءة بين التلاميذ، وتوجيه وتوعية الأسر في الاهتمام بتشجيع أولادها على القراءة، مع إفساح مجال أكبر في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة لعرض الكتب ومناقشتها مع مؤلفيها ورساميها. ويتجلى دور اتحاد الناشرين العرب في حث أعضائه على توفير الكتب الجذابة والهادفة، مع ابتكار وسائل جديدة في جذب الأطفال للقراءة، وهو ما يسهم في زيادة عدد العناوين التي تصدر في العالم العربي، وأيضًا زيادة الكميات المطبوعة بما يعمل على تخفيض سعر الكتاب ليكون في متناول جميع الأسر.
2 – ارتفاع نسبة الأمية في الوطن العربي: نحتاج إلى خطة صارمة محددة الزمن من الحكومات للتخلص من هذه الآفة الخطيرة التي لا تزال تهدد مستقبلنا، ونحن نعيش غمار القرن الحادي والعشرين بكل تحدياته وخطواته التي تتسارع في عالم لا مكان فيه إلَّا لأصحاب العلم والمعرفة، ويكون دور اتحاد الناشرين العرب دفع الناشرين للتعاون مع المؤلفين وأساتذة الجامعات في وضع برامج تعليمية تناسب الأعمار كافة، وإصدار كتب تعليمية متنوعة لمحو آفة الأمية.
3 – عزوف المتعلمين والمثقفين عن القراءة: التصدي لهذه المشكلة يكون بإنشاء المكتبات في الوزارات والمؤسسات، والتوسع في إنشاء المكتبات العامة على أن يكون دور اتحاد الناشرين العرب الوصول إلى هؤلاء المتعلمين والمثقفين بتوفير الكتب في دوائر أعمالهم ومنازلهم من خلال معارض الكتب المتنوعة، مع استخدام أحدث أساليب البيع التي تيسر عليهم شراء الكتب واقتناءها.
4 – تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها في معظم البلدان العربية: على الحكومات أن تتخلى عن الطريقة التقليدية في الرقابة على الكتب، واتباع أساليب جديدة تراعي مستحدثات التقدم التكنولوجي، مع احترام القيم والعادات والتقاليد في كل بلد عربي، وهو ما يحرص عليه اتحاد الناشرين العرب ويحث أعضاءه على مراعاة ذلك.
5 – تفشي ظاهرة التزوير والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية: على الحكومات العربية أن تضطلع بدورها في التصدي لهذه الظاهرة وأن تصدر القوانين الصارمة والمغلظة في العقوبات لردع هؤلاء المزورين، وأيضًا توعية شعوبها من خلال وسائل الإعلام بأهمية احترام حقوق الملكية الفكرية، بل يطالب اتحاد الناشرين العرب أن تدمج حقوق الملكية الفكرية ضمن المناهج الدراسية للطلاب من الصغر.
6 – الارتفاع المستمر في معدل الضرائب والرسوم الجمركية: ضرورة أن تعمل الحكومات العربية على تخفيضها أو إلغائها؛ لأن البلدان العربية ليست منتجة لمستلزمات إنتاج الكتب، وسوف يكون المردود من التخفيض أو الإلغاء أعلى كثيرًا من المبالغ التي ستتحملها الحكومات العربية.
7 – الارتفاع المستمر في أسعار الدعاية والإعلان عن الكتب في وسائل الإعلام: لابد أن تعي الحكومات والمؤسسات الإعلامية أن وضع أسعار رمزية في مقابل الإعلان عن الكتب هو لصالح المجتمع في ارتقائه وتشجيعه على القراءة في المقام الأول.
8 – ندرة المكتبات العامة وتواضع ميزانيات شراء الكتب:
ينبغي أن تهتم الحكومات العربية بالتوسع في إنشاء المكتبات العامة، والتي هي مكتبات مجانية تخدم مختلف طوائف الشعب؛ بحيث يتناسب عددها مع تعداد سكان كل حي أو منطقة تقام بها مكتبة عامة.
وأيضًا لا بد أن تخصص ميزانيات كبيرة وكافية لشراء الكتب لمكتبات المدارس والجامعات والمراكز الثقافية.
تلك هي بعض من التحديات التي يجدر بالحكومات العربية أن تتصدى لها لتسهم بشكل فعال في النهوض بصناعة النشر، كما أن على اتحاد الناشرين العرب الاضطلاع بدوره بالعمل على:
1 – الاهتمام بالدورات التدريبية المهنية للناشرين العرب للارتقاء بصناعة النشر.
2 – عقد دورات تدريبية وورش عمل للناشرين العرب للتعرف على قواعد وأساليب النشر الإلكتروني تقنيًّا وقانونيًّا.
3 – مساعدة الناشرين العرب في فتح منافذ توزيع غير تقليدية في الأسواق التجارية و«الهيبرات» وسلاسل المكتبات الحديثة.
4 – الانفتاح والتعاون مع الاتحادات والنقابات الإقليمية والدولية؛ مثل اتحادات الكتاب، ونقابات الطباعة، واتحادات البرمجيات، واتحاد الناشرين الدوليين.
5 – الاهتمام بمشاركة الناشرين العرب بالمعارض الأجنبية لاكتساب الخبرات المهنية والعلمية، وبيع وشراء الحقوق مع الناشرين الأجانب.
6 – إعداد دراسات علمية ومهنية للتصدي لشروط بعض المعارض العربية التي لا تحقق مصالح الناشرين العرب.
7 – إنشاء مواقع إلكترونية للبيع من خلال شبكة الإنترنت.
8 – استخدام المواقع والجرائد الإلكترونية للدعاية والإعلان والترويج عن الكتب دون أي تكلفة يتحملها الناشرون.
9 – الاهتمام بإقامة الندوات الثقافية وحفلات توقيع الكتب، الأمر الذي يسهم في زيادة حجم المبيعات.
10 – العمل على إنشاء قاعدة بيانات عن صناعة النشر في الوطن العربي وأيضًا معرفة الميول القرائية للمواطن العربي، مما يساعد الناشر في وضع سياساته النشرية، بما يناسب ميول القارئ العربي.

خامسًا: مستقبل صناعة النشر في الوطن العربي
لا تزال صناعة النشر في الوطن العربي في بداياتها مقارنة بالعالم الغربي، كما ألمحنا من قبل، ومن واجبنا كمنتسبين لهذه الصناعة الواعدة، ألَّا نقسو على أنفسنا، فالأمل معقود على المستقبل – إذا تضافرت جهود الحكومات العربية مع جهود الناشرين والمؤلفين في تذليل العقبات وحل المشكلات التي تواجه الصناعة في الوقت الحاضر – أن تنمو صناعة النشر وتزدهر في كل الوطن العربي.
محمد رشاد
رئيس اتحاد الناشرين العرب

محمد محمد رشادصناعة النشر في الوطن العربى (الماضى – الحاضر – المستقبل)

صناعة النشر:
يقاس تقدم ورقي الدول وشعوبها بتقدمها العلمي والتكنولوجي، وارتفاع مستوى دخل الفرد، وأيضًا بحجم ما تستهلكه من الورق؛ حيث يتمتع الفرد بمنتوج ثقافته وثقافة الآخرين من فكر وفن؛ فالثقافة هي العامل الرئيسـي في هذا التقدم والرقي.
ويعد الكتاب الوسيلة الأولى للثقافة والتعليم، بل الوعاء الجامع والشامل لكل مكونات الثقافة؛ لأنه يحمل في مكنونه فكر وإبداع الإنسان إلى أخيه الإنسان.
وهناك اتفاق على أن النشر يتضمن ثلاث حلقات، يشترك فيها أربعة أطراف على النحو التالي:
الحلقة الأولى: التأليف، وهو الذي يقوم به المؤلف المبدع، سواء كان مؤلِّفًا طبيعيًّا
أو معنويًّا، وهو المسئول عن المادة العلمية.
الحلقة الثانية: الطباعة أو (التصنيع)، التي تحوِّل المادة العلمية للمؤلف إلى كيان مادي قابل للتداول بين الناس في شكل نسخ متعددة.
الحلقة الثالثة: التوزيع، الذي يقوم به بائع الكتب أو الموَزِّع؛ والتي تهدف إلى توصيل النسخ المطبوعة إلى المستهلكين أو السوق المتاحة للكتاب، وهم: المكتبات والأفراد.
هذه الحلقات الثلاث تتكامل فيما بينها لتشكل ما يعرف بصناعة النشـر،
ولا يمكن لأي حلقة منها أن تكون قائمة بذاتها، مستقلة عن الحلقتين الأخريين، أن تسمى نشرا.
والأطراف الثلاثة: المؤلف – الطابع – الموزع لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا علاقة مباشرة تربط بينهم، ومن ثمّ دعت الضرورة إلى وجود طرف رابع يجمع بين هذه الأطراف الثلاثة، ويدير العلاقة بينهم وهو الناشر، الذي يحصل على العمل من المؤلف في مقابل مبلغ مادي يحصل عليه المؤلف، فضلًا عن الذيوع والانتشار لعمله، ثم يتولى الناشر تصميم وصَفّ وإخراج الكتاب، قبل أن يدفع به إلى المطبعة التي تحوله إلى نُسَخ مطبوعة، ويدفع لها الناشر التكاليف كافة، ثم يدفع به بعد ذلك إلى بائع الكتب أو الموزع؛ ومن ثم يحصل الناشر على ماله المستثمر وربحه بعد خصم نسبة ربح الموزع، وهذا ما يطلق عليه صناعة النشر.

الماضي وتطور صناعة النشر في الوطن العربي:
العصور القديمة
من المعروف أن صناعة النشر قديمة قدم الفكر الإنساني، ولما كانت بلادنا العربية – أيًّا كانت تسميتها عبر العصور – هي موطن الفكر والمعرفة، فقد ازدهرت صناعة النشر ازدهارًا كبيرًا في العصور القديمة في مختلف المناطق في مصر القديمة وفي العراق القديم وبلاد الشام وغيرها من دول المنطقة على النحو التالي:
أ – مصر القديمة:
لقد غطى الكتاب المصري القديم العلوم الدينية، وكان كتاب «الموتى» أشهر كتاب ديني في العالم القديم؛ حيث غطى العلوم الاجتماعية والإنسانيات، والعلوم الطبيعية والتطبيقية من رياضيات وفلك ونبات وكيمياء وغيرها، كذلك غطى الفنون بكافة أشكالها وفروعها.
وكان الكتاب المصري القديم يكتب وينشر على ورق البردي، ويوزع على نطاق واسع في مصر ودول حوض البحر الأبيض المتوسط، ولقد تمت صياغة الكتاب المصري بلغات عديدة: الهيروغليفية – الهيراطيقية – الديموطيقية – القبطية – السينمائية، فمصر هي أرض الكتابة الأبجدية.
ب- العراق القديم:
كانت صناعة النشر في زمن السومريين والأكاديين والبابليين والأشوريين قوية ومزدهرة لا تقل أهمية عن صناعة النشر في مصر القديمة؛ فقد غطى الكتاب العراقي القديم موضوعات الدين والعلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم ومعظم الموضوعات بأنواعها كافة، وقد اشتهر العراق القديم بكتب القانون خاصة وعلى رأسها قانون حمورابي، الذي اتُّخذ أساسًا للقانون الروماني الذي ساد في قوانين العالم.
وإذا كان الكتاب المصري القديم قد خُطَّ على ورق البردي – قصير العمر، فقد كتب الكتاب العراقي القديم على ألواح الطين – طويل العمر، وكانت الكتابة المسمارية هي الخط الذي كتب به الكتاب العراقي القديم. ومع أن النار كانت العدو الأول للكتاب المصري القديم، إلا أنها كانت الصديق للكتاب العراقي القديم، ولذلك وصلنا %90 مما كتبه العراقيون القدماء، بينما لم يصلنا إلا %1 فقط مما كتبه المصريون القدماء. ولقد انتشر الكتاب العراقي شرقًا وغربًا إلى بلاد فارس وبلاد الشام بل ومصر.
المسلمون وصناعة النشر:
عرف عن العرب في جاهليتهم أنه لم يكن لهم أدب ولا علم ولا فن مكتوب، بل كانت التواريخ والأخبار والحِكَم والأمثال والأشعار تنتقل بينهم شفاهة وعن طريق التواتر، إلَّا أنه في شمال الجزيرة العربية كان هناك شيئان مكتوبان هما: المعلقات ومكاتبات العبيد، وفي جنوبي الجزيرة العربية كانت هناك آلاف النقوش الحجرية المكتوبة. ولما جاء الإسلام كان أول كتاب مكتوب ومدون هو القرآن الكريم، ولم تُدَوَّن الأحاديث النبوية إلا مع نهاية القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) ومطلع القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
ولم تكن صناعة النشر في العصر الأموي ذات شأن؛ لأنه كان عصر جدب واضمحلال فكري.
ولقد بدأت صناعة النشر عند المسلمين (وكانت تعرف آنذاك بالوراقة) مع منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) مع ازدهار الدولة العباسية، وكانت أسس ازدهار هذه الصناعة التي استمرت على مدى خمسة قرون هي:
– التدوين: تدوين وكتابة الكتب والعلوم التي تنتقل شفاهة بين الناس.
– الترجمة: كانت الترجمة تسمى عند المسلمين النقل، والمترجم يقال له الناقل؛ حيث عنيت الدولة العباسية بترجمة الكتب اليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والمصرية القديمة والسريانية إلى اللغة العربية.
– التأليف: قام المؤلفون المسلمون بتمثل العلوم الأجنبية وامتصاصها والتأليف فيها، بجانب التأليف الأصيل في العلوم العربية والإسلامية؛ أي في علوم الدين واللغة والأدب والتاريخ وغيرها.
على هذه الأسس الثلاثة قامت صناعة النشر عند المسلمين (الوراقة)، وأصبح هناك مراكز للنشر في المدن الإسلامية المختلفة، وهي في نفس الوقت مراكز للتعليم والبحث العلمي، وانتشرت دور النشر في المدن الكبرى الإسلامية (حوانيت الوَرَّاقين)؛ ومما يدل على ازدهار صناعة النشر (الوراقة) أن ابن النديم (محمد بن إسحاق النديم) قد حصر في كتابه (الفهرست) نحو 8500 كتاب نشرت في القرون الأربعة الأولى للهجرة، كما حصر (حاجي خليفة) في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) نحو 20000 عنوان في مختلف فروع المعرفة حتى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي).
لقد قدر عدد المجلدات التي نشرت في الفترة بين القرن الثاني الهجري والثالث عشر الهجري (عصر الخطاطة والوراقة الإسلامية) بنحو خمسين مليون نسخة، إلا أنه لم يصلنا منها إلا نحو خمسة ملايين فقط؛ حيث أهلكت عوامل عديدة الجزء الأكبر مما نشره الوراقون المسلمون في العصر الإسلامي.
لقد كان اجتياح المغول والتتار، لشرقي العالم الإسلامي وسقوط بغداد سنة 656 هجرية (1258 ميلادية) هو بداية النهاية لصناعة النشر عند المسلمين.
لقد كان المخطوط الإسلامي هو أطول مخطوطات العالم عمرًا؛ حيث امتد به العمر نحو اثني عشر قرنًا، تأرجحت فيها صناعة النشر الإسلامية (الوراقة) بين ازدهار وانحسار؛ حتى دخلت الطباعة إلى الوطن العربي، وخرج منها صناعة النشر الحديث.
اختراع الطباعة:
اخترعت الطباعة بالحروف المتحركة في أوروبا سواء على يد لورنزو كوستر الهولندي في مدينة هارلم أو على يد يوحنا جوتنبرج في مدينة ماينز، وذلك مع منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ولئن كانت الطباعة العربية قد شقت طريقها إلى الوجود في أوروبا مع عام 1214م (كتاب صلاة السواعي)، 1530م (القرآن الكريم)، إلا أنها لم تدخل إلى المنطقة العربية إلا بعد ثلاثة قرون على الأقل من انتشارها
في أوروبا.
ومن المعروف أن قواعد ومفاهيم النشر في أوروبا لم تحدد إلا بعد قرنين أو ثلاثة من ظهور الطباعة، الحدود بين: المؤلف – الطابع – الموزع والناشر، إلا أنه في عالمنا العربي لم تحدد حتى الآن؛ حيث لا يوجد إلا قلة قليلة من الناشرين بالمعنى الخالص. أما الغالبية العظمى فهم ناشرون بالمعنى المختلط، بل إن من الناشرين من يتاجر في القرطاسية والأدوات الكتابية ولعب الأطفال بجانب الطبع والنشر والتوزيع.
تطور صناعة النشر الحديثة في الوطن العربي:
1- صناعة النشر التبشيرية في بلاد الشام
دخلت الطباعة العربية أول ما دخلت إلى سوريا ولبنان على يد البعثات التبشيرية المسيحية على يد طائفة الملكانين، وكانت أول مطبعة قد أقيمت في حلب في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي؛ حيث طبعت كتبًا دينية مثل كتاب المزامير (كتاب الزابور الشريف) عام 1706م، وكتاب الإنجيل الشريف عام 1706م وغيرها من الكتب الدينية.
وفي جبل شوير بلبنان أقيمت مطبعة تبشيرية عربية في عام 1733م، وطبعت كتبًا دينية أهمها عدد 15 طبعة من (مزامير داود).
2- صناعة النشر في مصر
دخلت الطباعة في مصر في العصر المملوكي ولكن بالكتل الخشبية. أما الحروف المتحركة كانت مع الحملة الفرنسية عام 1798م، والتي جاءت إلى مصـر مصطحبة مطبعتين: إحداهما المطبعة الرسمية للحملة الفرنسية؛ حيث تطبع بالحروف العربية والتركية والفارسية واليونانية واللغات الأوروبية الأخرى، والمطبعة الثانية كانت مطبعة خاصة هي مطبعة مارك أوريل، والذي باعها إلى الحملة الفرنسية، وتم دمجها مع المطبعة الرسمية باسم المطبعة الأهلية، وكانت تضم قسمًا للطبع العربي وآخر للطبع الفرنسـي، ولم تدم هذه المطبعة كثيرًا وخرجت مع الحملة الفرنسية في مصـر
عام 1801م.
أما الطباعة العربية الدائمة في مصر فقد بدأت على يد محمد علي بإنشاء مطبعة بولاق عام 1820م. ولقد نشرت خلال عشرين سنة من عمرها العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة باللغة العربية والتركية، ونشرت الفكر العلمي والتكنولوجي الأوروبي في العالم الإسلامي. ولقد ظلت مطبعة بولاق طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر هي الناشر الأساسي ليس في مصر وحدها، وإنما في كل المنطقة العربية، بل كانت تطبع أيضًا لحساب الأفراد سواء من المؤلفين أو الناشرين.
ثم أخذ نجم «مطبعة بولاق» في الأفول بعد وفاة محمد علي حتى الاحتلال البريطاني، ثم استأنفت نشاطها مع عام 1884م ليصبح اسمها «المطابع الأميرية»، وانتشر الكتاب المصري في كل ربوع الوطن العربي وخارجه فوصل إلى شرق جنوب آسيا مثل إندونيسيا وغربا إلى إفريقيا. ولقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تذبذبًا شديدًا في صناعة النشر؛ من حيث عدد الناشرين وفئاتهم وتوجهاتهم، وبلغ عدد العناوين 168 عنوانا؛ أي بمتوسط 36 عنوانا في السنة الواحدة.
وفي الفترة (1950م – 1902م) بلغ عدد الكتب المنشورة بمتوسط 500 عنوان سنويًّا، ثم زاد بعد ثورة يوليو 1952م تدريجيًّا حتى وصل حاليّا ما بين (10000 – 12000) عنوان.
ولقد كانت مصر تصدر ثلثي الكتب المنشورة في الوطن العربي حتى نهاية الستينيات، ثم انخفض العدد إلى النصف، وصارت الآن تنتج نحو ثلث ما ينتج في العالم العربي.
3- صناعة النشر في سوريا ولبنان
بعد ظهور المطابع التبشيرية في سوريا ولبنان، بدأت المطابع الناشرة تظهر واحدة بعد أخرى، فأنشئت في لبنان مطبعة لحساب طائفة الملكانين ونشـرت كتاب المزامير عام 1761م، ثم أنشئت مطبعة بيروت وطبعت العهد الجديد سنة 1860م، ثم أقيمت مطبعة على يد الجزويت سنة 1848م، ثم توالى إنشاء المطابع في لبنان، وأصبح لبنان ثاني مركز للنشر في العالم العربي بعد مصر.
أما في سوريا فقد تأسست ثاني مطبعة في حلب عام 1841م، ونشـرت ديوان
ابن الفارض، ثم أقيمت مطبعة في دمشق عام 1855م، ثم توالى إنشاء المطابع يصاحبها إنشاء دور للنشـر؛ أصبحت سوريا من المراكز الأساسية في صناعة النشـر في
الوطن العربي.
4- صناعة النشر في العراق
لا يعرف التاريخ المحدد لدخول الطباعة بالحروف المتحركة في العراق إلا أنه قد صدر «جورنال الفرات» عام 1816م، وهو طبع حجر، وإن كان أول مطبعة بالحروف المتحركة أقامها الدومنيكان في الموصل سنة 1856م، ولقد أسس الوالي مدحت باشا أول مطبعة رسمية سنة 1869م، وكانت تنشـر الجريدة الرسمية، بجانب
الطبع للأفراد.
والملاحظ أن صناعة النشر في العراق كانت بطيئة حتى الحرب العالمية الثانية، ثم تغير الحال في النصف الثاني من القرن العشرين وزادت المطابع ودور النشر، وأصبح العراق يمثل مركز النشر الثالث في العالم العربي، بيد أن حرب إيران – العراق، ثم العراق – الكويت ثم العراق – التحالف الدولي واحتلال العراق عام 2003م، دمر إلى جانب ما دمر صناعة النشر في العراق.
5- صناعة النشر في فلسطين والأردن
كانت أول مطبعة تدخل إلى فلسطين هي مطبعة الفرنسيسكان التي أسست عام 1864م، وفي الأردن دخلت أول مطبعة سنة 1909م، ثم في عام 1926م أنشئت المطبعة الوطنية، ثم مطبعة الاستقلال العربي عام 1932م. وفي النصف الثاني من القرن العشرين تم التوسع في إنشاء المطابع ودور النشر، خاصة في الأردن الذي أصبح يمثل ركيزة أساسية في صناعة النشر في عالمنا العربي خاصة الكتاب الأكاديمي؛ بينما الوضع في فلسطين يختلف لظروف الاحتلال الإسرائيلي؛ فعدد دور النشـر سواء في غزة
أو الضفة الغربية يعدّ متواضعًا؛ بسبب الاعتماد على الكتاب العربي خاصة الأردني.
6- صناعة النشر في الجزيرة العربية
دخلت الطباعة أول ما دخلت إلى بلاد اليمن سنة 1877م، وذلك لطباعة الجريدة الأسبوعية للحكومة التركية، وفي السعودية أدخلت الحكومة التركية أول مطبعة في الحجاز عام 1882م، ثم أسست في مكة مطبعة القبلة عام 1919م، ثم تغير اسمها إلى مطبعة أم القرى، وفي نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين أرسلت الحكومة السعودية عددا من السعوديين للتدريب على أعمال الطباعة في المطابع الأميرية بمصـر، وبعد عودتهم عملوا في مطبعة مكة التي كانت أهم مطبعة في البلاد.
وبعد الحرب العالمية الثانية تزايد عدد المطابع في المملكة العربية السعودية، وظهر معها العديد من دور النشر، وتتبع ذلك نهضة نشرية كبرى، وأصبحت السعودية من أهم مراكز النشر والتوزيع للكتاب العربي والأجنبي.

صناعة النشر في دولة الإمارات العربية المتحدة:
من المعروف أنه قبل قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في 1971م لم تكن صناعة النشر معروفة بالمعنى الحقيقي، ويكفي أن يقال إن عدد الكتب المنشورة في عام 1969م خمسة كتب، لكن مع قيام الاتحاد والنهضة التي أحدثها مؤسس دولة الإمارات المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان، اهتمت الدولة بالتعليم والثقافة وأنفقت عليه الكثير؛ تأسس المجمع الثقافي في أبو ظبي مع بدايات قيام الاتحاد وأصبح من أهم الجهات التي تنشر العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة، وأيضًا تحويل الكتب التراثية والشعر إلى الشكل الرقمي على شبكة الإنترنت، بجانب تأسيس «دار الكتب الوطنية» التي لديها إصدارات كثيرة من الدوريات والكتب وتغير المسمى ليصبح «هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة» التي توسعت في المشروعات الثقافية، ومنها مشروع «كلمة» الذي اختص بترجمة أهم الإصدارات العالمية إلى اللغة العربية.
الأمر الذي شجع في البداية مؤسسات خاصة مثل «مؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر» أن تنشر العديد من الدوريات اليومية والأسبوعية بجانب نشر الكتب. وفي عام 1980م أُسِّسَ «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية» وتوالت إصداراته من البحوث والدراسات والكتب، ويعتبر من أهم مراكز النشر في دولة الإمارات.
ومع اهتمام الدولة تأسس العديد من مراكز النشر الرسمية في كل إمارة من الإمارات السبع التي يتألف منها الاتحاد، كما ظهر العديد من دور النشر الخاصة، بجانب إنشاء العديد من المطابع الكبيرة المزودة بأحدث التقنيات. واهتمت الدولة برعاية الكتّاب والمفكرين، وأنشأت العديد من المشروعات الثقافية، ومنها مشروعات الترجمة التي توسعت بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة.
ولقد تبنت الدولة منذ بداية قيامها إقامة المعارض المتخصصة للكتب مثل معرض أبو ظبي للكتاب، ومعرض الشارقة للكتاب، ومع تزايد تقدم صناعة النشر في دولة الإمارات، تأسست جمعية الناشرين الإماراتيين، وأصبحت هذه الصناعة من الصناعات الهامة؛ حيث بلغ المتوسط السنوي للكتب المنشورة سنويًّا ما يقرب من 2000 عنوان تقريبًا بعدما كانت خمسة كتب في عام 1969م.
صناعة النشر في دولة قطر:
أما في قطر فلم تكن المقومات الحقيقية لنمو وتطور حركة الطباعة والنشـر موجودة؛ حيث كان التعليم في بداياته الأولى وعدد القراء محدودًا، إلا أن شَغف الشيخ علي بن عبد الله آل ثان (1941م – 1960م) وابن أخيه الشيخ خليفة بن حمد بالكتب والثقافة، دفعهما إلى رعاية حركة نشر الكتب على نفقتهما الخاصة وطباعتها خارج البلاد وتوزيعها بالمجان. وكان عدد الكتب المنشورة في قطر مع خمسينيات القرن العشـرين حوالي عشرة كتب، وأول كتاب طبع في قطر كان عام 1955م. ومع توسع التعليم وإنشاء جامعة قطر والنمو الاقتصادي ازدهرت حركة النشـر والطباعة في قطر، وارتفع عدد الكتب المطبوعة والمنشورة إلى حوالي 1500عنوان.
7- صناعة النشر في دول الشمال الإفريقي العربي
في تونس تأسست أول مطبعة حجر عام 1840م، واستخدمت في طباعة الأوراق الرسمية إلى جانب الكتب، وكان أول كتاب طبع باللغة العربية سنة 1849م (أمسيات قرطاج). أما مطبعة الحكومة التونسية فقد تأسست عام 1860م. وفي الجزائر دخلت الطباعة لأول مرة سنة 1832م؛ حيث طبعت جريدة (المراقب الجزائري) وبعض كتب التراث. وفي المغرب تأسست أول مطبعة في مدينة فاس وطبعت بها كتب دينية وأدبية وتاريخية في عهد محمد الرابع (1859م – 1873م) بالبنط المغربي المعروف.

الحاضر في صناعة النشر في الوطن العربي:
إن المتأمل في مسيرة صناعة النشر في الوطن العربي، يجد أنها لا تتخذ خطًّا صاعدًا، بل يتأرجح بين صعود وهبوط، وأن الصناعة في عالمنا مازالت في بداياتها، مقارنة بالعالم الغربي؛ لذا فإن صناعة النشر تعاني العديد من المشكلات التي تعوق تقدمها، وإذا تضافرت الجهود من مسئولين ومؤلفين وناشرين فيمكن أن تنمو وتتقدم؛ فصناعة النشر في الوقت الحاضر يواجهها الكثير من المعوقات والمشاكل. من أهمها:
1- ضعف الاهتمام بتنمية عادة القراءة لدى الأفراد منذ الصغر.
2- ارتفاع نسبة الأميّة ، والتي تقلل من الكميات المطبوعة.
3- عزوف المتعلمين والمثقفين عن القراءة.
4- تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها.
5- اقتصار أكثر المثقفين على القراءة المتخصصة، بل الأحادية حسب التوجه الفكري.
6- تفشي ظاهرة التزوير بالاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للمؤلف والناشر.
7- الارتفاع المستمرّ في معدل الضرائب على نشاط دور النشـر، والتي تصل إلى نسب مرتفعة بخلاف الرسوم الأخرى، واعتباره مثل أي نشاطٍ تجاري
لا يتضمن رسالة للمجتمع.
8- الارتفاع المستمر في حجم الضرائب والرسوم الجمركية على مستلزمات إنتاج الكتاب، ولا فضلًا عن ضريبة المبيعات.
9- الارتفاع المستمر في أسعار الدعاية والإعلان بوسائل الإعلام.
10- الارتفاع المستمر في تكاليف الشحن، وعدم وجود خطوطٍ منتظمةٍ.
11- تراجع إنشاء المكتبات التجارية لارتفاع تكلفة الاستثمار.
12- قلّة المكتبات العامة مقارنة بعدد السكان.
13- تواضع وتراجع الميزانيات المخصصة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية.
14- عدم إتاحة الفرصة أمام المؤلف والناشر في نشر وطبع الكتاب المدرسي، والذي يمثّل الركيزة الأساسية في النهوض بصناعة النشر، كما هو معمول به في البلدان المتقدمة.
15- عدم الدراية الكاملة لدى الفرد وأجهزة الدولة المنوط بها حماية الملكية، في مدى خطورة الاعتداء على الملكية الفكرية، وأنها تمثل قتلًا للإبداع والفكر وضياعًا للحقوق بين الأفراد.
16- نشر الكتب المدرسية الرسمية لا يفيد سوق النشر العام.
17- أخرجت ثورات الربيع العربي: العراق – سوريا – اليمن – ليبيا – تونس من سوق الكتاب العربي، وأثرت بشكل كبير في تراجع صناعة النشـر في العالم العربي.
18- لا يزال الناشر بالمعنى غير النقي (ينشر ويطبع ويوزع) هو الصيغة العامة لصناعة النشر في الوطن العربي، أما الناشر النقي الخالص فقليل.
19- لا تزال القواعد والمفاهيم المهنية لصناعة النشر في عالمنا العربي غير واضحة بين أطراف الصناعة، وهي: المؤلف – الناشر – الطابع – الموزع.
وعلى الرغم من تلك المعوقات إلَّا أن هناك بعض الظواهر الإيجابية في حاضر صناعة النشر ومنها:
1- يوجد في الوطن العربي ما يقرب من 1000 ناشر يعملون بالفعل وبصفة دائمة في صناعة النشر، وينتجون سنويًّا العديد من الكتب، وبجانبهم عدد لا يقل عن 1000 ناشر آخر يعملون بشكل متقطع وحسب الظروف والمناسبات.
2- أن عدد العناوين المنشورة في الوطن العربي يصل إلى نحو 35 ألف عنوان، %70 منها كتب ثقافة عامة وكتب جامعية، %25 كتب مدرسية مقررة على طلاب المدارس، %5 كتب أطفال.
أما من حيث عدد النسخ الصادرة عن هذه العناوين، فيصل سنويّا إلى
ما يقرب من 450 مليون نسخة، وأغلبها كتب مدرسية.
3- يصل حجم الاستثمار في صناعة النشر في الوطن العربي إلى ما يقرب من خمسة مليارات دولار، وأغلبها من الكتب المدرسية والجامعية.
4- تأسيس العديد من المكتبات العامة (مكتبات الشعب مجانًا) وبعض المشروعات الثقافية التي أسهمت في ترسيخ عادة القراءة من الصغر لدى الأطفال والناشئة.
5- ظهور جيل جديد من الشباب مقبل على القراءة وخاصة الأعمال الأدبية.
6- تأسيس بعض سلاسل المكتبات التجارية بشكل جديد يختلف عن الشكل التقليدي للمكتبات التجارية، وأصبحت هذه السلاسل ملتقى للشباب والمثقفين للاطلاع على أحدث الكتب.
7- ظهور منافذ بيع غير تقليدية في الأسواق التجارية مثل (الهيبرات وفيرﭼﻦ.. وخلافها).
8- استخدام الشباب لشبكات الإنترنت والمنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي التي أسهمت في إقبالهم على القراءة.
9- إنشاء مواقع إلكترونية عديدة خلال السنوات الخمس الأخيرة للبيع من خلال شبكات الإنترنت.
10- ازدياد المواقع والجرائد الإلكترونية التي يمكن من خلالها دون أي تكلفة الترويج والتسويق لأي كتاب جديد.
11- إقامة حفلات التوقيع والندوات الثقافية للكتب في المكتبات ودور النشر.
12- ظهور العديد من الجواتر المحلية والعربية التي تسهم بشكل كبير في زيادة حركة توزيع الكتب الفائزة.
مستقبل صناعة النشر في الوطن العربي:
كما ذكرنا فإن صناعة النشر في الوطن العربي مازالت في بداياتها مقارنة بالعالم الغربي، ومن واجبنا كمنتسبين لهذه الصناعة، ألا نقسو على أنفسنا، فالأمل في المستقبل – إذا تضافرت الجهود الرسمية بجانب الناشرين والمؤلفين في حل معظم المشكلات التي تواجه الصناعة في الوقت الحاضر – أن تنمو صناعة النشر وتزدهر في الوطن العربي.
وأيضًا ما نشاهده اليوم من اهتمام معظم الحكومات العربية بالعملية التعليمية والثقافية من خلال المشروعات التي ينفق عليها الكثير من الميزانيات لصالح المواطن العربي، وخاصة مع زيادة عدد المتعلمين سواء قبل الجامعي أو بعد الجامعي والمراكز والمؤسسات الثقافية المتاحة للمواطن دون مقابل، فضلًا عن اهتمام بعض الحكومات بالمكتبات العامة والمدرسية والجامعية والمتخصصة كل ذلك يدعونا للتفاؤل في المستقبل، وخاصة أن صناعة النشر تطورت تطورًا كبيرًا في الدول المتقدمة، ونحن لسنا ببعيدين عنها، وأن النشر أصبح هو نشر المحتوى أيًّا كان وبأي وسيلة من الوسائل المعروفة أو المستحدثة أو التي ستظهر في المستقبل ومنها النشر الإلكتروني والتسويق الإلكتروني للكتاب.
النشر الإلكتروني:
لا شك أن النشر الإلكتروني هو التطور الحقيقي لصناعة النشر، والذي ظهر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مع ظهور الإنترنت وتطور أجهزة الكمبيوتر بشكل كبير وفعال وتواجدها في الجامعات والمؤسسات والمنازل، وظهور «الديجتال ميديا» وهو توظيف النص والصورة والصوت بشكل يتفاعل فيه القارئ مع الكتاب.
وإن كانت صناعة النشر الورقي في العالم العربي، قد بدأت بعد ما يقرب من أربعة قرون تقريبًا في العالم الغربي، إلا أنه سنجد أن النشر الإلكتروني قد ظهر في العالم العربي بعد فترة قصيرة خلال ما يقرب من عقدين من الزمان من ظهوره في العالم الغربي، عن طريق موقع أمازون في نهاية عام 1994م، وكان موقع أمازون قد بدأ في تسويق وبيع الكتب المطبوعة ثم تطور بعد ذلك لبيع الكتب إلكترونيا من خلال الموقع.
التسويق الإلكتروني للكتاب ورقيًّا وإلكترونيًّا:
يعد التسويق الإلكتروني من أهم وسائل تسويق الكتاب في الوقت الحاضر، حيث تطور التسويق الإلكتروني للكتاب المطبوع ورقيًّا أو إلكترونيًّا في السنوات الخمس الماضية نتيجة للثورة التكنولوجية والمعلوماتية وأصبح العائد من التسويق الإلكتروني في بعض الأحيان أفضل بكثير من التسويق التقليدي للكتاب، لأنه يركز على العلاقة المباشرة بين المنتج والمستهلك.
ويعتمد التسويق الإلكتروني على شبكة الإنترنت عن طريق الوسائل التالية: الإيميل – المواقع الإلكترونية – شبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك – يوتيوب – تويتر) وغيرها من الوسائل الحديثة.
مما سبق يتضح أن صناعة النشر في العالم العربي قد تطورت بظهور النشر الإلكتروني، وأن المستقبل له بجانب الكتاب المطبوع ورقيًّا؛ فعلى الرغم من هذا التطور والتقدم للنشر الإلكتروني إلا أن الكتاب الورقي مازال حاضرًا بقوة؛ حيث ترتفع معدلات النسخ المطبوعة منه في كل عام، ذلك لترسيخ عادة القراءة لدى المواطن الغربي ولتحسين استخدامه للنشر الإلكتروني.
وفي عالمنا العربي فالأمل يحدونا جميعًا كناشرين العرب بأن نأخذ بكل الوسائل الحديثة المتطورة في صناعة النشر، فبقدر تعاملنا مع الكتاب المطبوع ورقيًّا، علينا أن نسارع في الدخول في صناعة النشر الإلكتروني، لأن الظروف مهيأة لانتشار وزيادة نسبته في المستقبل، كما أن الأمل يحدونا كمواطنين أن تعمل حكوماتنا على تذليل الصعاب التي تواجه صناعة النشر، والإنفاق بسخاء على الثقافة والتعليم اللذين يمثلان الركائز الأساسية في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن ينهض العالم العربي من خلال المعرفة والاستفادة من الانفجار المعرفي للمعلومات.

الناشر
محمد رشاد
رئيس مجلس إدارتي
الدار المصرية اللبنانية
ومكتبة الدار العربية للكتاب
رئيس اتحاد الناشرين المصريين السابق

محمد محمد رشاد - الدار المصرية اللبنانيةالعلاقة بين المؤلف والناشر

تعتبر العلاقة بين المؤلف والناشر في عالمنا العربي عامة وفي مصـر خاصة، علاقة شائكة ومرتبكة بين الطرفين وتحمل داخلها الشك والريبة وعدم الثقة من جهة المؤلف تجاه الناشر، إلا ما ندر رغم مرور ما يقرب من مائتي عام على دخول صناعة النشـر في عالمنا العربي. وتسبقنا أوروبا بما يقرب من أربعة قرون منذ اختراع الطباعة الحديثة عام 1440م على يد يوحنا جودنبرج، فقد كانت بدايات صناعة النشر في وطننا العربي عندما أنشئت أول مطبعة عام 1700م كانت مطبعة حلب، ومع دخول الحملة الفرنسية عام 1797م أنشئت المطبعة الأهلية بمعرفة الفرنسيين، ثم أنشئت مطبعة بولاق في عهد محمد علي عام 1821م، ومع العلم بأن أول كتاب عربي طبع في إيطاليا عام 1514م وباللغة العربية.
من كل ما تقدم يتضح أن الفارق الزمني كبير في بدايات صناعة النشر في كل من العالم العربي، والعالم الغربي، وهذا الفارق أدى إلى وجود قواعد ثابتة ومستقرة، تنظم العلاقة بين المؤلف والناشر لدى الغرب، بينما لا تزال العلاقة بين المؤلف والناشر تفتقر إلى وجود قواعد ثابتة ومتعارف عليها بين الطرفين؛ إذ إن معظمها تجارب ميدانية واجتهادات شخصية، وتناقل معلومات وخبرات بين الطرفين.
صناعة النشر:
يقاس تقدم ورقي الدول وشعوبها بتقدمها العلمي والتكنولوجي، وارتفاع مستوى دخل الفرد، وأيضا بحجم استهلاكها للورق؛ حيث يتمتع الفرد بمتوج ثقافته وثقافة الآخرين من فكر وفن، فالثقافة هي العامل الرئيسي في هذا التقدم والرقي.
ويعد الكتاب الوسيلة الأولى للثقافة والتعليم، بل الوعاء الجامع والشامل لكل مكونات الثقافة؛ لأنه يحمل داخله فكر وإبداع الإنسان إلى أخيه الإنسان.
تعريف النشر:
يعرف النشر كما جاء في الموسوعة العربية العالمية بأنه: «عملية إعداد وتصنيع وتسويق الكتب والمجلات أو أي مطبوعات أخرى». أما نشـر الكتب فهو صناعة صغيرة نسبيّا، ولكنها ذات أهمية بالغة في الحياة التعليمية والثقافية؛ حيث إن العالم يستهلك ما يقرب من مائة مليون طن من الورق، ومنها ما يقرب من أربعين مليون طن للكتب.
تعريف الناشر:
يعرف الناشر – أو دار النشر – بأنه: «مؤسسة أو شخص يقوم بإصدار وطبع وتوزيع الكتب أو المجلات والصحف، ويتحمل مسئولية التمويل إلى جانب مخاطر النشر».
تعريف المؤلف:
يعرف المؤلف بأنه: «الشخص الطبيعي الذي يبتكر عملًا أدبيّا أو فنيّا أو علميّا أيّا كان نوعه أو طريقة التعبير عنه أو أهميته أو الغرض من عمله». ويعد مؤلفًا للعمل من يذكر اسمه عليه أو ينسب إليه عند نشره باعتباره مؤلفًا له ما لم يضم الدليل على غير ذلك، كما يعتبر مؤلفا للعمل إذا نشره بغير اسمه أو اسم مستعار، بشرط ألا يقوم شك في معرفة حقيقة شخصه، وإلا اعتبر المؤلف شخصًا معنويّا، ويكون له في الحالتين الطبيعي والمعنوي حقوق أدبية ومالية.
ولقد اتفق على أن عملية النشر تتضمن ثلاث حلقات، ويشترك فيها أربعة أطراف على النحو التالي:
الحلقة الأولى: وهي التأليف، والتي يقوم بها المؤلف المبدع، سواء كان مؤلفا طبيعيّا
أو معنويّا، وهو المسئول عن المادة العلمية.
الحلقة الثانية: وهي الطباعة أو التصنيع، التي تحوّل المادة العلمية للمؤلف إلى كيان مادي متعدد النسخ، وقابل للتداول بين الناس.
الحلقة الثالثة: وهي التوزيع، والتي يقوم بها بائع الكتب أو الموزع، والتي تهدف إلى توصيل النسخ إلى المستهلكين أو السوق المتاحة للكتاب، الأفراد والمكتبات.
هذه الحلقات الثلاث تتكامل فيما بينها لتشكل ما يعرف بصناعة النشـر ولا يمكن لأي حلقة منها أن تكون قائمة بذاتها، مستقلة عن الحلقتين الأخريين، أن تسمى نشرا.
ومن المفترض أن الأطراف الثلاثة: المؤلف – الطابع – الموزع لا يعرف بعضهم بعضا، ولا علاقة مباشرة بينهم، ومن ثمّ دعت الضرورة إلى وجود طرف رابع يجمع هذه الأطراف الثلاثة، ويدير العلاقة بينهم وهو الناشر، الذي يأخذ العمل من المؤلف ويدفع له مقابلًا ماديّا، ثم يتولى تصميم وصف وإخراج الكتاب، ثم يدفع به إلى المطبعة التي تحوله إلى عدد من النسخ ويدفع الناشر التكاليف كافة، ثم يدفع بها إلى منافذ التوزيع ويحصل الناشر على ماله المستثمر بعد خصم نسبة الموزع. وهذا ما يطلق عليه صناعة النشر.
العلاقة بين المؤلف والناشر:
تبدأ العلاقة بين المؤلف والناشر من بداية تقديم المؤلف عمله إلى الناشر، وهنا يقوم الناشر بإدارة عملية النشر من المرحلة الأولى وهي التأليف.
والسؤال الذي يقفز إلى أذهاننا، كيف يحصل الناشر على المواد والأصول المطلوب نشرها؟ هل يعتمد على الأصول التي ترد إليه أم أن هناك وسائل أخرى للحصول عليها؟ والجواب أن هناك وسائل عديدة، هي:
1- قيام المؤلف أو المترجم بتقديم كتابه إلى الناشر مباشرة.
2- قيام الناشر بتكليف المؤلف أو المترجم أو المحقق بإعداد كتاب محدد الموضوع والمواصفات.
3- اتصال الناشر بمجموعة من المؤلفين، يطلب أن ينشر لهم.
4- ورود أصول كتب أو مقترحات كتب بواسطة البريد للناشر.
5- ورود أصول كتب أو مقترحات كتب بواسطة بعض المؤلفين، الذين سبق النشر لهم، ثم يبدأ الناشر الخطوة الثانية بعد استلام الأصول، وهي عملية الفحص للتأكد من صلاحية الكتاب للنشر وإمكانية تسويقه وبيعه.
ويتم الفحص بالطرق التالية:
أ- قيام الناشر باستلام الكتاب ويحدد رأيه بالقبول أو الرفض المبدئ.
ب- قيام إدارة النشر وهم خبراء متخصصون لدى الناشر بفحص الكتاب، كل حسب تخصصه، وإبداء الرأي بالقبول أو الرفض، أو القبول بعد إجراء بعض التعديلات سواء بالإضافة أو الحذف .
جـ- قيام الناشر بتكليف أحد المتخصصين في الموضوع ذاته بفحص الكتاب ثانية، وإبداء الرأي والقرار النهائي للناشر أو المدير المسئول عن إدارة النشر.
ولابد من الإشارة إلى أن هناك كتبا قد تكون صالحة للنشر ويرفضها الناشر إما لأسباب فنية ومعقدة في الطباعة، أو أنها تحتاج إلى إنفاق أموال كثيرة وتأخذ وقتا كبيرا في استرجاع التكلفة، أو يكون الكتاب في غير تخصص دار النشـر أو يكون رأي مسئول التوزيع لدى الناشر بأن عدد النسخ التي توزع من هذا الكتاب قليلة جدا نظرا لتخصصه الشديد، أو أن السوق مكتظ بالموضوعات نفسها التي يعالجها الكتاب من ناحية، وأنه يباع بأسعار منخفضة للغاية من ناحية أخرى.
كما تجدر الإشارة إلي ضرورة إزالة التهمة الموجهة للناشرين من قبل بعض المؤلفين بأن الناشرين لا يقرأون، وتعود هؤلاء المؤلفون النظر للناشر على أنه مطبعجي، وليس له الحق في إبداء أي رأي علمي أو فني، متناسين أن دور النشر الراسخة دائما تعمل ومعها مجموعة كبيرة من المتخصصين، لذا فنحن نحث الزملاء الناشرين على ضرورة فحص ما يقدم لهم بأنفسهم، أو الاستعانة بذوي الخبرات.
وهناك سؤال مهم يفرض نفسه: هل يقدم الناشر على نشـر كتاب مقبول منه وصالح للنشر، رغم الأسباب السابقة التي قد تحمله خسارة مادية حسب رأي التوزيع؟ والجواب.. نعم، فهناك نسبة كبيرة من الناشرين العرب تقدم على ذلك، باعتبار أن هذا العمل يعتبر رسالة وواجبا قوميا ومهنيا مثل الكتب، التي صدرت عن الانتفاضة أو عن بعض الشخصيات البارزة، أو الكتب التذكارية المتعلقة بالرموز الأدبية والفكرية.
والخطوة الثالثة التي يقوم بها الناشر في مرحلة التأليف، هي خطوة التعاقد القانوني مع المؤلف بعد موافقة الناشر على نشر الكتاب، وموافقة المؤلف على شروط الناشر، باعتبار أن المؤلف هو صاحب هذا العمل، وأن له حقوقا أدبية ومادية.
وهناك عدة نماذج للتعاقد القانوني بين المؤلف والناشر تشتمل على التزامات متبادلة بين الطرفين توضح حقوق كل طرف أمام الطرف الثاني، ونوع التعاقد، وغالبا ما تحدد الحقوق المادية ، مثل:
أ- نسبة مئوية من سعر الغلاف تدفع للمؤلف مع تحمل الناشر لكل الأعباء المالية في الطباعة والتوزيع، وتصل هذه النسبة في مصر ما بين %10 إلى %20 حسب موضوع الكتاب ومكانة المؤلف، وتصل إلى %30 في الكتب الجامعية.
ب- مبلغ مقطوع (أي مبلغ محدد يدفعه الناشر للمؤلف، سواء عن طبعة واحدة أو عدة طبعات أو استغلال الكتاب عدة سنوات) . وفي جميع الأحوال يتحمل الناشر كل الأعباء المالية.
جـ-اقتسام الربح بين المؤلف والناشر بعد استرجاع تكاليف الطباعة والتوزيع التي دفعها، ويكون الصافي بين الطرفين بنسب متفاوتة حسب طبيعة الكتاب ومكانة المؤلف ودور المؤلف في التوزيع، وتصل النسبة التي يحصل عليها المؤلف %50 من صافي الربح، وربما تصل في بعض الأحيان إلى %70.
د- قيام المؤلف بسداد مبلغ من حساب تكاليف الطباعة للناشر، كمساهمة منه في تحمل المخاطرة مع الناشر، ويسترجع المؤلف هذا المبلغ بعد سداد كافة التكاليف.
هـ- قيام المؤلف بسداد كافة تكاليف الطباعة للناشر، الذي يقوم بنشـر هذا الكتاب وتوزيعه لحساب المؤلف.
والعائد للمؤلف باسترجاع التكاليف، بالإضافة إلى هامش إضافي، أو خسارة له، في حالة عدم توزيع كتابه.
وبهذا العرض تكون المرحلة الأولى من النشـر قد انتهت، وإن كانت هناك بعض الملاحظات المتعلقة بهذه المرحلة، والتي يجب الإشارة إليها، مثل:
1- لا توجد هيئات أو مؤسسات أو مراكز تقدم المؤلفين الجدد للناشرين بعد تحكيم إنتاجهم، بحيث تضمن للناشر الحصول على أصول صالحة للنشـر، وكذلك تقليل نسبة المخاطرة لديه.
2- لا تجد ميزانيات مخصصة في جهات أو مؤسسات أو وزارات، تشجع الناشرين على نشر أعمال المؤلفين الجدد باقتناء كميات من الكتب المطبوعة لهؤلاء المؤلفين، كما هو معمول به في بعض البلدان العربية.
3- لا تزال وظيفة الوكيل الأدبي غير موجودة في العالم العربي، بينما هي وظيفة أساسية في الدول المتقدمة في صناعة النشر، ويقوم بدراسة العمل المقدم من المؤلف وعرضه على الناشر بالقبول، وربما يقوم بإجراء بعض التعديلات على الكتاب قبل تقديمه للناشر، وكذلك السعي لترجمته إلى عدة لغات أو نقله إلى أشكال فنية مثل السينما أو المسرح نظير عمولة.
4- التفاوت الكبير في النسبة التي يحصل عليها المؤلف العربي، مقارنة بالمؤلف الغربي، فهي تتراوح في عالمنا العربي كما ذكر من %10 إلى %30 بينما تصل في البلدان المتقدمة من %8 إلى %12. وبالنسبة للسلاسل.. فهي تتراوح من %5 إلى 7%. ولكتب الأطفال.. فإنها تتراوح من %2 إلى %5، بينما المؤلف العربي يشعر أن الناشر قد ظلمه وافتأت على حقه وأنه يدفع له نسبة قليلة، وربما هذا الشعور راجع إلى قلة العائد كنتيجة مباشرة للكميات القليلة، التي تطبع في العالم العربي فيما بين 500 نسخة إلى 2000 نسخة، وفي أغلب الأحيان 1000 نسخة.
5 – يسري مفهوم خاطئ لدى بعض المؤلفين الذين يقومون بترجمة بعض الأعمال من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية بضرورة حصول المؤلف على نسبة مئوية من سعر الغلاف عن كل طبعة، واعتباره مؤلفا، متناسيا أن هذا العمل ليس من بنات أفكاره أو إبداعاته، وأن حقه الطبيعي مبلغ مقطوع مرة واحدة يحدد بين الطرفين.
6- يسري مفهوم خاطئ لدى بعض المؤلفين أنه صاحب الحق الوحيد في حق الترجمة أو النشر في أي وسيلة إعلامية، أو تحويل العمل إلى صورة فنية مثل السينما والتليفزيون والمسرح أو الإذاعة، بعد تعاقده مع الناشر وصدور العمل، بينما في البلدان المتقدمة تكون كل هذه الحقوق من خلال الناشر، ويكون العائد من حق المؤلف والناشر وهو ما يسمى بالحقوق المجاورة.
7- يسري مفهوم خاطئ لدى بعض المؤلفين، رغم توقيعهم للعقود مع بعض الناشرين، أن له الحق أن يعيد نشر الكتاب بمعرفته أو عن طريق أحد الناشرين، دون الرجوع للناشر الأصلي، والذي تكون لديه كميات مكدسة بالمخازن، ويكون العقد ما زال ساريا.
8- معظم الناشرين العرب لا يحدد لنفسه خطة سنوية للنشر وميزانية لتنفيذ هذه الخطة، محدد فيها موعد صدور كل كتاب، لمنع حدوث مشكلات بين المؤلفين والناشرين في توقيت صدور الكتاب، كما أن هذا يسبب إرباكا ماليا للناشر.
9- قلة قليلة من الناشرين لا تلتزم بالمواعيد المحددة لدفع حقوق المؤلفين.
10- قلة قليلة من الناشرين لا تلتزم بطبع الكميات المحددة لخضوعه لمغالاة المؤلف في حقوقه المادية.
11- بعض الناشرين والمؤلفين لا يلتزمون بتطبيق شروط العقود الموقعة بينهم.
12- عدم تفهم المؤلف وظروف الناشر إذا رفض له عمل وتصبح علاقته مع ناشره محملة بالجفاء والغضب.
13- غيرة معظم الناشرين إذا كان مؤلفه قد تعاقد مع ناشر آخر ويحمل الناشر في داخله الجفاء للمؤلف.
هذه الملاحظات والمفاهيم الخاطئة لابد من إزالتها بمعرفة الطرفين: الناشر والمؤلف، وضرورة إيجاد قواعد سليمة ومنظمة لصناعة النشر.
وهناك بعض الملاحظات التي ينبغي أن أذكرها هنا، حيث لوحظ:
1- كثرة الخلافات بين المؤلفين والمصححين في حالة إصرار المؤلف على عدم الاعتراف بالأخطاء اللغوية أو الإملائية التي يقوم بها المصححون أو اكتشاف تكرار فقرات كثيرة منقولة من كتبهم السابقة أو بعض المؤلفين الآخرين.
2- قيام بعض المؤلفين بإدخال بعض تعديلات، سواء بالحذف أو الإضافة على البروفة الأخيرة، مما يحمل الناشر عبئا ماليا إضافيا مما يستلزم الدقة الشديدة في اعتبار محتوى الكتاب نهائيا قبل دفعه إلى الجمع مباشرة.
3- تدخل بعض المؤلفين في إخراج الكتاب من ناحية المقاس والأبناط، بل ورغبتهم أحيانا في تصميم الغلاف حسب رؤيتهم.
4- إصرار بعض المؤلفين على ذكر السيرة الذاتية لهم بالتفاصيل المطولة في نهاية الكتاب، مما يشكل عبئا في تكلفة الكتاب.
5- تدخل بعض المؤلفين في تسعير الكتاب، سواء بالزيادة أو النقصان.
6- ضعف العائد المادي للمؤلف والناشر، نتيجة محدودية الكميات المطبوعة ، والتي تتراوح فيما بين 500 نسخة إلى 2000 نسخة.
7- ارتفاع سعر الكتاب بالنسبة لدخل الفرد، نظرا لقلة الكميات المطبوعة.
8- لا يستطيع أي مؤلف في العالم العربي أن يتعيش من عائد كتبه إلا قلة قليلة، لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وغالبا ما يكون المؤلف يعمل في وظيفة أخرى يتكسب منها، نتيجة للعائد البسيط؛ نتيجة الكميات القليلة المطبوعة كما أشرت من قبل.
9- العائد المادي للناشر العربي – رغم ما يقال عنه وما يوجه إليه من تهم ظالمة – لا يساوي الوقت والجهد والمال الذي ينفقه، إذا تساوى مع الناشر الغربي.
10- الوضوح البين في أن صناعة النشر صناعة تراكمية لا يمكن الحصول منها على عائد مجز إلا عبر قطاع زمني طويل، ومن ثم فإنها لابد أن تكون عائلية ومتوارثة، ليعوض الناشر عن وقته وجهده وماله الذي بذله فيستفيد الورثة من ذلك.
11- كلما زادت الكمية المطبوعة انخفض السعر بنسب كبيرة، مثال كتاب سعره
10 جنيهات مطبوع منه 2000 نسخة، إذا طبع منه 10000 نسخة أصبح سعره 5 جنيهات؛ الأمر الذي يعني زيادة العائد بالنسبة للناشر – على مدى زمني ليس بالقصير – وكذلك زيادة العائد للمؤلف بافتراض حصوله على نسبة 15% ؛ حيث يصبح العائد 8250 جنيها بدلا من 3000 جنيه.

الخاتمة:
يتضح لنا مما سبق عرضه عن كيفية العلاقة بين المؤلف والناشر، والتعامل بينهما، وأيضا من المشاكل التي تحدث بين الطرفين التي يجب العمل على حلها وأنه يجب أن تكون العلاقة بين المؤلف والناشر علاقة صحيحة وسليمة وغير مصطربة، أو يشوبها الشك والريبة، وأن يكون هناك قواعد تنظم العلاقة بينهما ومحدد بها حقوق والتزامات كل طرف، وأن يعمل الطرفان على الارتقاء بصناعة النشر. فالمؤلف في حاجة إلى الناشر الذي يتولى إخراج عمله في شكل مادي (كتب) إلى القراء، ويحصل على عائد مادي، ويتفرغ هو للفكر والإبداع، والناشر في حاجة إلى المؤلف الذي يوفر له عمله الإبداعي؛ كي يستثمر ماله وجهده فيه، ويحصل على عائد مادي من وراء المؤلف.
فالمؤلف والناشر يمتهنان مهنة من أنبل المهن، فهما اللذان يستطيعان المحافظة على هويتنا وثقافتنا العربية وحضارتنا الإسلامية في مواجهة رياح التغيير والعولمة التي تجتاح منطقتنا العربية في الماضي والحاضر والمستقبل

أ - محمد رشاددور النشر والثورات العربية المستقبل الثقافي

إن الثورة – أي ثورة- لاتحدث إلا فى سياق تاريخي محدد ، وبالتالي لايمكن فهم دوافعها أومتابعة أحداثها وتطوراتها بغير تحليل للمرحلة التاريخية التي قامت بها .
إن علينا أن ننظر إلى واقع البلدان العربية التي كانت عليه قبل قيام ثورات الربيع العربي في منتصف شهر يناير عام 2011م ،فسنلاحظ أن العديد من هذه البلدان كانت شعوبها تعيش في ظل حكم ديكتاتوري مستبد لايسمح بالحرية والكرامة؛ وافتقاده إلى حياة ديمقراطية وعدالة اجتماعية لسنوات طويلة ؛ أي أن غالبية أفراد هذه الشعوب كانوا يعيشون حياة غير كريمة .. لايجدون المأكل والملبس والصحة والتعليم وغيرها من ضروريات الحياة ، إلى جانب ترهل المؤسسات الرسمية والأهلية، وتفشي الفساد بأشكاله كافة ، وتدني الخدمات الاجتماعية والثقافية . إن طول فترة الحكم الاستبدادي جعل معظم أفراد شعوب هذه البلدان يتساءلون: هل هناك أمل فى تغيير هذا الواقع ؟!، خاصة في ظل ضعف دور الكيانات والأحزاب السياسية ورجال الفكر والاجتماع ، وكانت الإجابة- للأسف – أنه لا أمل فى التغيير!
وإذا بشباب هذه البلدان يفاجئ شعوبه والعالم أجمع بثورات بدأت في تونس، ثم امتدت إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن .. واللافت للنظر أنها ثورات غير تقليدية وبالذات ما قام به شباب مصر .فبعد أن كانت الثورات والانتفاضات الشعبية فى دول العالم تحدث على فترات زمنية متباعدة تقدر بعشرات السنوات أو أكثر،وتتطلب وقتًا وإمكانات بشرية ومادية لاجتماع الثوار وإعداد المنشورات وتجهيز المشاركين في الثورة ، وأساليب ومواقيت التحرك، والدور المنوط بكل مشارك فيها ، بالإضافة إلى ما يستتبع ذلك من ملاحقات أمنية وقضائية من قِبَل الأنظمة الحاكمة .. إلا أنه مع ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، استطاع الشباب استخدام التكنولوجيا خاصة شبكة الإنترنت ومواقعها الاجتماعية المتعددة ، وأهمها موقعا (الفيس بوك والتويتر ) اللذان لعبا دورًا هامًّا في نجاح ثورة 25 يناير في مصر؛ حيث كانا بمثابة الركيزة الأساسية في مراحل التخطيط للثورة ، وإعداد السيناريو الخاص بها في جميع مراحلها ،وتقدير حجم المشاركين، وتحديد مواقيت التحرك والمتابعة الفعلية ، والتعرف على ردود فعل الأجهزة الأمنية ؛ حيث استخدم الشباب أسلحة تكنولوجية لاتخلَّف دمارًا أو تخريبًا أو إراقة للدماء؛ وتتخطى- بنجاح- كل الحواجز الأمنية؛ لتصبح ثورة 25 يناير نموذجًا حضاريًّا للثورات المعاصرة يُقتدى به في جميع أنحاء العالم .
إسهامات دور النشر فى قيام الثورات العربية :
رغم تأثر دور النشر العربية تأثرًا سلبيًّا كبيرًا بقيام الثورات العربية ؛ نتيجة لإلغاء معرض القاهرة الدولي للكتاب في 29 يناير 2011 م ؛ حيث إن معظم الناشرين العرب وخاصة المصريين يعتبرون معرض القاهرة الدولي للكتاب من أهم وأكبر المعارض العربية ؛ لأنه المكان الجامع الشامل لكل صنَّاع النشر في العالم العربي من ناشرين وموزعين وأصحاب مطابع ومؤلفين، وأيضًا مسئولي شراء الكتب للمؤسسات والجامعات والوزارات الذين يتجهون لتبادل المعلومات وإبرام الصفقات ؛ لذا فإن الجميع ،وخاصة الناشرين، يستعدون لهذا المعرض استعدادًا جيدًا ، فهم يحرصون على طرح أحدث إنتاجهم متحملين أعباء مالية كثيرة من أجل ذلك .
ونتيجة لإلغاء المعرض، فقد تعرض هؤلاء الناشرين لخسائر كبيرة ،ومنهم الناشرون العرب الذين كان مقررًا مشاركتهم في المعرض ، وكانت الخسائر أكبر بالطبع للناشرين المصريين ؛ نظرًا لسوء الحالة الأمنية والاقتصادية في مصر وكل بلدان الربيع العربي ، بل إن البلدان التى لم يحدث بها ثورات قد تأثرت سلبًا بتوقف حركة تداول الكتاب من بيع وشراء ، كما تراجعت عمليات التبادل التجاري ، وتقلصت أسواق كثيرة ( ثقافية وغيرها )؛ لارتباط مصير معظم بلدان الوطن العربى بمصير شقيقتهم الكبرى مصر .
ورغم ما تعرض له الناشرون العرب وخاصة المصريين من مصاعب، إلا أن الجميع كان مؤيدًا للثورات وفرحًا بها ، ولديه آمال كبيرة في تحقيق مستقبل أفضل لأمتهم العربية ، فهم يشاهدون ثمرة نجاح أعمالهم التى صدرت عن دور نشرهم للعديد من الكتّاب والمفكرين الذين مهدوا لهذه الثورات على مدار السنوات السابقة ، بكشفهم للظلم والقهر وفضح فساد هذه الأنظمة الحاكمة .
لقد صدرت هذه الكتابات من خلال الناشرين الشجعان، الذين هم أصحاب رسالة تجاه مجتمعاتهم ؛ لتحقيق مستقبل أفضل ، معرضين أنفسهم ودور نشرهم لكافة المخاطر من مصادرة أو مساءلة أمنية وقانونية.
ومع قيام الثورات وخاصة ثورة 25 يناير ، كان الناشرون المصريون فى مقدمة مَن نزل الميادين، وبالأخص ميدان التحرير ، فقد وقفوا مع الجماهير المطالبة بإسقاط ورحيل النظام الحاكم .. كل ذلك فى مجابهة قوات الأمن ، بل إن الناشرين المصريين قدموا شهيدًا منهم للثورة وهو الشهيد أحمد محمود صاحب دار اللطائف، وهو من أوائل شهداء الثورة .
الدار المصرية اللبنانية وربيع الثورات العربية :
منذ بداية نشأة الدار المصرية اللبنانية عام 1985 م؛ أى ما يقارب تسعةٍ وعشرين عامًا ،ويناهز أربعة وأربعين عامًا على القائمين على إدارتها ، فقد وضعت منذ بدايتها مشروعًا ثقافيًّا لاتحيد عنه ،وهو نشر كل ما يفيد القارئ العربي ، ويأخذ بيده إلى مستقبل أفضل. فقد نشرت الكثير من الموسوعات والقواميس والكتب العلمية والثقافية التي تحقق ذلك المشروع، بل جاوزت ذلك بنشر الأعمال التي يمكن أن تعرضها للأخطار سالفة الذكر ، وذلك انطلاقًا من مبدأ أن عليها رسالة تجاه مصر وأمتها العربية ،بنشر كتبٍ تؤكد الانتماء والهوية المصرية والعربية والإسلامية، وتبيان وإعلاء لقيمة الثقافة العربية والحضارة الإسلامية ،إلى جانب الكتب التى تنادي بالحرية،وتطالب بالديمقراطية ، وكشف الفساد. ، فالدار المصرية اللبنانية ، وشقيقتها مكتبة الدار العربية للكتاب .. نشرتا على سبيل المثال وليس الحصر : موسوعة الآثار والعمارة والفنون الإسلامية ” فى خمسة مجلدات للدكتور حسن الباشا ، والتى تظهر قيمة وعظمة الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، كما نشرتا كتبًا لوأد الفتنة الطائفية لكبار الكتّاب والعلماء المسلمين ، وأيضًا كتبًا تكشف الفساد ، إلى جانب الكتب العلمية التي تستشرف آفاق المستقبل لمصر والعالم العربي ، وأيضًا كتب تفضح ممارسات العدو الصهيوني تجاه شعبنا فى فلسطين وأمتنا العربية .
كما نشرتا –كذلك- كتبًا ابداعية تسقط الرمزية على ظلم واستبداد الأنظمة الحاكمة المستبدة ، وخير مثال لذلك ما نشرته الدار المصرية اللبنانية من رواية ” أجنحة الفراشة ” للكاتب محمد سلماوي ، والتي صدرت في ديسمبر 2010 م قبل قيام ثورة 25 يناير ، وهي تتضمن سيناريو كاملاً لثورة 25 يناير ، وكان السجن هو مصير الناشر والكاتب لو انتبهت الأجهزة الأمنية !
ومع قيام ثورة 25 يناير كانت أسرتا الدار المصرية اللبنانية ومكتبة الدار العربية للكتاب سعيدة وفرحة بهذه الثورة ، ولديهما تفاؤل وأمل كبيران فى تقدم وازدهار بلدهم مع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، مع الإيمان والالتزام المهني لتحقيق باقي معادلة صناعة النشر: ” صناعة + تجارة + رسالة “؛ وأعني الرسالة التي عاهدنا أنفسنا عليها دون اعتبار لتحقيق عائد مادي .
ومع توالي الثورات فى العالم العربي ، أدركنا نحن الناشرين أن عملنا الذي هو رسالة تجاه بلادنا ،يجب أن يتمثل في ضرورة تسجيل وقائع هذه الثورات وتوثيقها للأجيال القادمة ، ومنح المؤرخين المادة العلمية عندما يؤرخون لهذه الثورات ، فصدر العديد من هذه الكتب عن ثورة 25 يناير ،ومنها :
كتب فكرية وثقافية
1- قبل 25 يناير بقليل .. .. .. .. .. أ/ عبد اللطيف المناوي
2- الأيام الأخيرة لنظام مبارك (18) يوم.. .. .. .. أ/ عبد اللطيف المناوي
3- الإنترنت والفيس بوك – ثورة 25 يناير نموذجًا.. .. اللواء/ محمود الرشيدي
4- 7 أيام في التحرير.. .. .. .. .. .. أ/ هشام الخشن
5- الجيش والإخوان .. .. .. .. .. .. أ/ مصطفى بكري
6- 15 يومًا من تاريخ .. .. .. .. .. أ/ أسامة هيكل
7- الصراع من أجل نظام سياسي جديد .. .. .. .. أ د/ علي الدين هلال وآخرون
8- مصر في سعيها نحو مستقبل أفضل .. .. .. .. أ د. مصطفى سويف
كتب ابداعية ( روايات )
1- أجنحة الفراشة .. .. .. .. .. .. أ/ محمد سلماوي
2- سقوط الصمت.. .. .. .. .. .. د/ عمار علي حسن
3- دولة العقرب .. .. .. .. .. .. أ/ فؤاد قنديل
4- المرشد .. .. .. .. .. .. المستشار/ أشرف العشماوي
5- حكايات سعيد المصري .. .. .. .. .. .. أ/ شريف لطفي
6- كراسة التحرير .. .. .. .. .. .. أ/ مكاوي سعيد
7- اِلطُمى يا إنشراح .. .. .. .. .. .. أ/ إيمان إمبابي

هذا على سبيل المثال وليس الحصر،
ومع طول الفترة الانتقالية منذ ثورة 25يناير، والتى قاربت على ثلاث سنوات ، تخللتها عثرات في الانتقال إلى مرحلة الاستقرار، فقد رأى القائمون على إدارة الدارين إصدار سلسلة باسم “مسار الفترة الانتقالية ” تعبر عن طبيعة هذه الفترات التي كتب عنها مجموعة من الكُّتّاب والمفكرين المخلصين .. طرحوا فيها الرؤى والأفكار للقائمين على إدارة شئون البلاد، وللأسف لم يُستجب لهذه الأفكار؛ الأمر الذي تسبّب في إطالة الفترة الانتقالية.
وقد تم اختيار الكُّتاب والمفكرين من مختلف التيارات السياسية والتوجهات الفكرية المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورًا بالتيار الاسلامي؛ ليكتبوا في هذه السلسلة، والتي سوف تصدر قريبًا بالعناوين التالية :
1- رئيس انتقالي – ثورة مستمرة … د/كمال الهلباوي
2- الدين – السياسة – الشرعية … د/عمرو حمزاوي
3- للجماعة لا لمصـر … د/عماد جاد
دور النشـر والمستقبل الثقافي
أ – مسئولية حكومة ما بعد الثورات
لاشك أن أهداف الثورات العربية هي إقامة حياة كريمة لمواطنيها، يتمتعون فيها بالحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ الأمر الذي يستلزم تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية لشعوب هذه البلدان العربية.. ولن تتحقق هذه التنمية إلا بالتنمية التعليمية الثقافية من خلال مجالي التعليم والثقافة، وهما اللذان أُهدرا في ظل الحكم الديكتاتوري المستبد لسنوات طوال.
لذا فالمسئولية تقع على عاتق الأنظمة الحاكمة الجديدة من خلال حكوماتها ، فأي نظام حر وديمقراطي إن لم يعِ تمامًا مسئوليته تجاه التعليم والثقافة فسوف يفشل بالتأكيد، وتظل الشعوب العربية على نفس حالها مع فارق تغيير أنظمة الحكم.
من هنا يجب على الحكومات بذل كل الجهد مع الإنفاق الكبير على هذين المجالين (مجال التعليم ومجال الثقافة) على النحو التالي:

مجال التعليم
مجال التعليم ماقبل الجامعي
يجب أن تخصص الحكومات أكبر الميزانيات بالإنفاق على التعليم، وتكون بنسب عالية ومحددة من الناتج القومي لإصلاح منظومة التعليم، والأخذ بالأساليب الحديثة فى تطوير التعليم، بإعداد مناهج حديثة ومتطورة تخلو من الحشو والحفظ والتلقين، ولها خاصية الكشف عن قدرات ومواهب المتعلمين، مع التوسع فى إنشاء المدارس على أحدث المواصفات، وأيضًا الحد من تسرب المتعلمين في مرحلة التعليم الأساسي، وإعداد وتأهيل المعلمين، مع رفع رواتبهم؛ من أجل الحصول على مخرجات تعليم جيدة وصالحة لبناء مجتمع تعليمي حديث.
التعليم الجامعي
إن حكومات الثورات يجب أن تتيح للتعليم الجامعي الفرص الممكنة لأكبر عدد من الطلاب للالتحاق بالجامعات طبقًا لرغباتهم؛ وذلك بالتوسع فى زيادة عدد الجامعات، وتزويدها بالمعامل والمختبرات التي تخدم التعليم الجامعي، وجعلها جامعات لبناء المستقبل مستعينة في ذلك بنقل خبرات الجامعات الأجنبية المتقدمة؛ ليكون ناتج مخرجات التعليم الجامعي لصالح المجتمع.

المجال الثقافي
ينبغي على حكومات ما بعد الثورات العربية أن تدرك مسئوليتها الكاملة عن تهيئة كل مناحي الحياة الثقافية للمواطنين، فهى مسئولة أيضًا عن التوعية بأهمية الثقافة للمجتمع .. ذلك أن الركيزة الإنسانية للنهوض بالحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هي الثقافة؛ وذلك بالإنفاق عليها من خلال ميزانيات كبيرة، على النحو التالي :
1- الاهتمام بالكُتّاب والمؤلفين، مع الحرية الكاملة لهم في نشر أفكارهم وإبداعاتهم دون تسلط قوانين التجريم بالحبس عليهم أو مصادرة أعمالهم.
2- حرية تداول المعلومات وإتاحتها.
3- التوسع في إنشاء المكتبات العامة والمتاحف الأثرية والفنية.
4- التوسع في إنشاء المراكز الثقافية في كل المناطق.
5- تدعيم المراكز القومية للنشـر والترجمة بالميزانيات المناسبة.
6- الإنفاق على إنشاء المكتبات الإلكترونية للمؤسسات والجامعات والأفراد.
7- خفض تكلفة استفادة المواطن من تكنولوجيا المعلومات.
8- الاهتمام بالمطبوعات الرصينة والمجلات والدوريات.
9- الاهتمام والإنفاق على صناعة السينما والمسرح والموسيقى.
10-الاهتمام بصناعة النشر بإلغاء الرسوم الجمركية والضرائب على مستلزمات الكتب والمطبوعات.
11-الاهتمام بالناشرين بتخفيض الضرائب،وتدعيم مشاركتهم بالمعارض العربية والدولية.

ب- مسئولية دور النشـر
من المعروف أن معظم دور النشـر لديها من الإمكانات البشرية والمادية التي تؤهلها للتعاون مع عدد كبير من المفكرين، الذين لديهم الرؤى والأفكار التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في المواطنين .. من أجل هذا؛ فإنه يمكن لعدد من دور النشـر أن تتجه في نشر مجال محدد من الموضوعات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية؛ الأمر الذي يؤثر على توجيه المجتمع نحو هذا المجال. من هنا تكمن أهمية وخطوة دور النشر في أخذ مجتمعاتها نحو التقدم والازدهار أو التأخر والتخلف؛ و لذا فنحن نؤكد على الرسالة السامية لدور النشر في تقدم البلدان العربية بعد الثورات العربية على النحو التالي:
1- تسجيل وتوثيق الثورات العربية تسجيلًا وتوثيقًا أمينًا أمام المؤرخين.
2- البحث عن كتابات الكتَاب والمفكرين العلماء التي تقدم حلولًا لمشاكل المجتمع.
3- النشـر في مجال الكتب التي توضح للمواطن حقوقه وواجباته الأساسية.
4- إتاحة النشر للشباب للتعبير عن أفكارهم وأحلامهم لبلدهم، واكتشاف الموهوبين منهم ليكونوا كُتّاب الغد.
5- النشـر للشباب لتعريفهم بتاريخ بلدهم وأمتهم وإنجازات الرواد.
6- النشـر للأطفال والناشئة بشكل جذاب، مع عرض الموضوعات الهادفة لخلق مجتمع قارئ في المستقبل.
7- النشر في المجال الذي يؤكد ويحافظ على الهوية والمواطنة.
8- النشر في مجال الكتب الدراسية، كإسهام من دور النشر فى تطوير التعليم.
9- النشر في مجال الكتب العلمية تأليفًا وترجمة، لتطويرالمجتمع وزيادة الوعي العلمي.
10-النشر في مجال الموسوعات والقواميس باعتبارها أدوات المعرفة للطلاب والمواطنين.
11-مواكبة أساسيات النشر الحديثة الإلكترونية، والتوسع فيها لصالح جيل الشباب المستخدم لتكنولوجيا المعلومات.
12-الاهتمام بالترجمة من اللغات الأجنبية؛ بنقل أهم الكتب العلمية والفكرية الحديثة لخدمة الباحثين، وأيضًا كتب الأطفال والناشئة.
13-الاهتمام بالترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية للتعريف بالثقافة العربية والحضارة الإسلامية أمام دول العالم.
وأخيرًا نأمل أن تكون دور النشر العربية قد وضح دورها في ربيع الثورات العربية، وأن تكون على مستوى الحدث الذي فاجئ العالم كله بثورات الشعوب العربية، كما نأمل أن تتقلص مدة الفترات الانتقالية التي تعيشها الآن هذه الشعوب بعد ربيع هذه الثورات ؛ حتى تستقر الأوضاع، ويبدأ مسار الحياة الديمقراطية مع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لشعوب البلدان العربية التي تمثل أهداف هذه الثورات ، ويصبح المواطن العربي يحيا حاضرًا كريمًا ومستقبلًا واعدًا إن شاء الله.

mohamed rashadمصر تحتاج إلى عشرة آلاف مدرسة خلال خمس سنوات بجهود رجال الأعمال

في كلمته بكلية التربية جامعة عين شمس

الناشر محمد رشاد: مصر تحتاج إلى عشرة آلاف مدرسة خلال خمس سنوات بجهود رجال الأعمال

ضرورة خلق مناخ جيد للاستثمار في مجالات التعليم أمام رجال الأعمال وأفراد الشعب

عقد مؤتمر قومى للتعليم برعاية رجال الأعمال المصريين فى ضوء ما سوف تسفر عنه هذه الورشة ، يشارك فيه كل خبراء وعلماء مصر ومؤسساتها المدنية والحزبية والمستثمرين المهتمين بالشأن التعليمى للوصول إلى صياغة علمية لتطوير التعليم قبل الجامعى . ووضع استاتيجية مستقلة للتعليم تلتزم بها الدولة المصرية .

قال الناشر محمد رشاد
إن لمصر ريادة تاريخية في نشر المعرفة بين بلدان الوطن العربي وبعض دول العالم، لكنْ في العقود الأخيرة تُعْتَبُر محاولاتها وجهودها مضيئةً لفترة قليلة، ثم سرعان ما تَـخْفُتُ مرة ثانية ولا تأخذ صفة الاستمرارية.
لكننا لا ننكر وجود أسماء لامعة ونجوم مصـرية ساطعة في سماء العالم أمثال: مصطفى مشرفة، وسميرة موسى، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وأحمد زويل، وفاروق الباز، ومجدي يعقوب، وغيرهم من الذين لا حصـر لهم في شتى مجالات العلوم والفنون والآداب.

وأشار رشاد رئيس مجلس إدارة الدار المصرية اللبنانية ومكتبة الدار العربية للكتاب
رئيس اتحاد الناشرين المصريين السابق في كلمة له ألقاها أمام مؤتمر تطوير منظومة التعليم قبل الجامعي في مصر الذي تبدأ أعماله يوم 29 من سبتمبر وتستمر يومين بدار الضيافة – جامعة عين شمس .
إلى أننا نأمل أن يكون تعداد المصـريين بالعلماء والكُتَّاب والمفكرين، وليس بالأفراد، وهذا ليس بالكثير على المصريين قاهري المستحيل. ولكي تعود مصـر إلى ريادتها بين بلدان العالم على المستوى الإقليمي والدولي، يجب علينا مواجهة التحديات التي ندركها جيدًا، وفي مقدمتها (التعليم).
أعتقد أننا – جميعًا – متفقون على أن مصر في مأزق تاريخي، يجعل مُنْتَج التعليم الحالي في حاجة ماسة إلى التطوير ليتوافق مع قيمة مصـر وآمالها وطموحاتها في مواجهة هذه التحديات الراهنة، وينهض بمستوى التعليم ليلبي أهداف الثورتين 25من يناير، و30من يونيو
ونحن كناشرين نؤمن إيمانًا راسخًا بضـرورة القيام برسالتنا تجاه مجتمعنا بالمساهمة في نهوضه وتقدمه
لأننا أقدم شعب، وحضارته أم الحضارات فهو المؤسس للحضارات الإنسانية على مستوى العالم

وقدم الناشر محمد رشاد مبادرة تتركزفي ضرورة خلق مناخ جيد للاستثمار في مجالات التعليم أمام رجال الأعمال وأفراد الشعب؛ بإتاحة الفرصة أمامهم في إنشاء المدارس لسد العجز في عدد المدارس، فالمطلوب كما هو معلوم لتطوير التعليم إنشاء عدد عشرة آلاف مدرسة، ونظرًا لقلة الاعتمادات المخصصة لذلك، فيمكن للقطاع الخاص أن يسهم على مدار خمس سنوات أو عشر في إنشاء نصف هذا العدد؛ فمعظم رجال الأعمال يجنحون للعمل المدني العام غير الحكومي ، وأيضًا هناك العديد من أفراد الشعب ممن يحبون أن يوجهوا زكاتَهم إلى إنشاء المدارس والمستشفيات، فلتحقق لهم الدولة هذه الرغبات بتقديم المزايا التي تساعدهم على ذلك.

وأكد رشاد ضرورة استثمار التفاؤل والأمل الكبيرين لدى الشعب المصـري بعد ثورتي 25 من يناير و30 من يونيو، والشعور لدى كل مواطن مصري في ضرورة إعادة بناء مصرنا الجديدة من خلال نشر الوعي من خلال جميع وسائل الإعلام بأهمية المشروع القومي لتطوير التعليم، وتكاتُف الجميع حكومةً وشعبًا، وبكل أطيافه من أحزاب ونقابات وأفراد، خصوصا القطاع الخاص؛ لما له من قدرات فنية وتمويلية، بجانب الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في مجال التعليم، وقبول آراء كل من يقدم حلولا أو أفكارًا للنهوض بالتعليم لإنتاج مُنْـتَجٍ تعليمي متميز لأبنائنا.

وقال الناشر محمد رشاد في كلمته
إن الإنسان هو صانع النهضة ومؤسس الحضارة لأي مجتمع، فالقدرة التنافسية لأي مجتمع تعتمد أساسًا على مجموع قدرات أفراده الناتجة عمَّا تلقَّوْهُ من تعليم ومعارف بشتى أنواعها، فالمعرفة ميزة إنسانية تعمل على صقل وتنمية قدرات الإنسان، بل إن القصور والضعف في التعليم يعمل على تعطيل التنمية الإنسانية والتقدم الحضاري لأي مجتمع على وجه الكرة الأرضية.
إن أي مراقب يستطيع أن يلحظ أن هناك اتجاهًا عالميًّا للاستزادة من المعرفة وتطويرها واستخدامها وتوجيهها نحو المستقبل، وهذا يحدث في بلدان كثيرة في أمريكا وأوروبا وآسيا، كذلك الحال على الصعيد العربي حيث ازداد الاهتمام بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وخلق بيئات سريعة الاستجابة نحو تحصيل المعارف بشتى أنواعها

يُذكر أن الندوة التي أقيمت في كلية التربية جامعة عين شمس قد حضرها

الأستاذ الدكتور محمود أبو النصروزير التربية والتعليم
الأستاذ الدكتور حسين عيسى رئيس جامعة عين شمس
و نواب رئيس الجامعة
الأستاذ الدكتور محمد الطوخي و
الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزت و
الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز و
الأستاذ الدكتور علي الجمل عميد كلية التربية و
الأستاذ الدكتور مايسة فاضل رئيس قطاع التعليم بوزارة التربية والتعليم .